والدول التقرب إليهم والاستفادة من تجاربهم .
وليس هذا وذاك - في حقيقة الأمر - إلا مصداقاً لقول اللَّه سبحانه وتعالى : ( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لَانفُسِكُمْ وَإِنْأَسَأْتُمْ فَلَهَا ) وكذلك قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِانفُسِهِمْ ) . فالمسلمون الذينيمتلكون هذه المنطلقات الطيبة وأمثالها ، كان من المفترض بهم التقدم على غيرهم ، وهم إذا ما وجدوا أنفسهم متأخرينعن غيرهم بفعل أخطاء التطبيق وظلم الظلمة وتكالب الأعداد . . فليس من الجدير بهم النكوص والتراجع واليأس ، لأنهم بذلك يكونون قد خرجوا عن حدود الدائرة الدينية ، والعياذ باللَّه ، إذ أنّ التكذيب أمر باطل ، واليأس من روحاللَّه هو داء الكافرين باللَّه . بينما الإقبال على الحياة بإيمان وشجاعة وثقة بالنفس وتوكّل على اللَّه القائل : ( إِنتَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) هو الكفيل بإعادة الروح إلى جسد الأمة الإسلامية ، وهو الكفيل أيضاًبتقدم المسلمين على غيرهم ، وما دون ذلك يعني التراجع والذل واستعباد الآخرين لهم ، كما هو حاصل بالفعل ، ويشعربه المسلمون في كل لحظة وفي كلّ مكان .
عالمية النبي إبراهيم عليه السلام
لقد أضفى اللَّه سبحانه وتعالى بإرادته القادرة على رسالة وشخصية النبي إبراهيمعليه السلام الصفة العالمية ، وذلك لعمقالشمولية الحاصلة في تفاصيل هذه الرسالة المباركة ، بالإضافة إلى كونه قد أصبح بحكمة اللَّه أباً للأنبياء من بعده في منطقةالجزيرة العربية وما حولها ، وقد تجلت هذه الحقيقة بصورة أكبر حينما رفع قواعد البيت الحرام ليكون قبلة الناس إلى اللَّهضمن عملية توحيد القلوب إلى خالقها ؛ بل وأبعد من ذلك حينما دعا هذا النبي العظيم ربّه سبحانه وتعالى بأن يجعلأفئدة من الناس تهوي إلى من خلّفه من ذرية في وادي مكّة المقفر ، وذلك في إيحاء مباشر إلى الفكر البشري عموماً ، بأنّالتوجه إلى القبلة إنمّا هو وسيلة إلى التمحور والولاء لذرية
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 193
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٩٣