النبي إبراهيم من الأنبياء والأئمة عليهم السلام ، وذلك لأنهم يجسدوننهج اللَّه الناطق بين الناس ، على اعتبار أنّ مهمة النبي إبراهيم والجهد الحثيث الذي بذله في هذا الإطار ليس من أجل أنيعاني الحجاج لقصد مجموعة من الأحجار وسط صحراء قاحلة ، بل إن ذرية هذا النبي كان مقدّراً لها إقامة الدين ، وهذهالذرية التي تضمّ رجال اللَّه تدعو إلى ربها بالحكمة ؛ أي وفق خطط ومناهج مرسومة من قبل اللَّه نفسه .
ولمّا كان هؤلاء الرجال امتداداً طيباً لرسالة أبيهم إبراهيمعليه السلام ؛ الرسالة التي من أولى خصائصها العالمية ، فقد كان جديراًباتباع هذه الرسالة واتباع أولئك الرجال أن يقتدوا بها وبهم ، فيكون نوع تفكيرهم تفكيراً أممياً لا يخضع للوساوس الشيطانية والدوافع المصلحية أو العنصرية أو القومية أو الطائفية أو الطبقية . وإنّه لمن المنطقي جداً أن تكون ممارساتووسائل التطبيق لمثل هذا المنهج وهذا التفكير عالمية على مستواه .
المسلمون والثورة الحضارية
حينما أمرنا اللَّه عزّ وجل بالدعوة إلى دينه بين الناس كافّة ، كان قد أمرنا بالضمن إيجاد المقدمات والوسائل لإنجاز هذهالمهمة الكبيرة ، وذلك كله لا يغيب عن عناية اللَّه ولطفه ونصره .
فاليوم أصبح من الصعب علينا تصور الاكتفاء بمنبر واحد يدعى فيه إلى اللَّه عز وجل ، في وقت يستفيد فيه الأعداء منكل وسيلة تقنية كالمحطات الفضائية - مثلًا - لنشر أفكارهم الشيطانية المنحرفة .
بل لقد أصبح من غير المعقول الاقتصار على طريقة الدعوة إلى الإسلام نفسها التي كانت قبل مئات السنين - مثلًالاسيما وأنّ قضايا عديدة مستجدة تتطلب أشكالًا أخرى من المعالجة ، كما يتبع ذلك توفير الوسائل اللازمة المناسبة للموضوع المراد طرحه وبحثه ، والمناسبة لشكل وطبيعة ذهنية المراد توجيهه .
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 194
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٩٤