التاريخ يعيد نفسه
والقرآن الكريم يضرب لنا هذه الأمثلة وغيرها ليبين لنا أن التاريخ يعيد نفسه دوماً ، لأنه ليس إلا تطبيقاً وتجسيداً لسنناللَّه سبحانه في الأرض ، فهو عبارة عن تطبيقات للأنظمة والقوانين التي وضعها البارئ لهذا الكوكب ؛ فالقوانين لا يمكنأن تتبدل ، كقانون الجاذبية الذي كان ولا يزال يجذب الأشياء إلى الأرض ، كما أن الحر والبرد يمثلان حقائق وقوانين لمتتغيّر منذ الأزل .
وهكذا الحال بالنسبة إلى قانون الحضارات ، فإنه هو الآخر ثابت لا يتغيّر ؛ فعندما يكفر الإنسان بربّه ، ولا يشكر أنعمهفإن حضارته لابد أن تنتهي وتزول شر زوال ، حتى لو كانت هذه الحضارة في عنفوان شبابها . أما إذا شكر الإنسان ربه ، فإن حضارته سوف تدوم وتستمرّ حتى ينقضي عمرها الطبيعي . فكما أن الإنسان يطول عمره إذا اتبع المناهج الصحيةالسليمة ومن ثم يموت موتاً طبيعياً ، وكما أن الإنسان الذي يرتكب الفواحش يصاب بالأمراض والشيخوخة المبكرة والانهيار العصبي وعشرات الأمراض الأخرى ، فإن نفس هذه القاعدة تنطبق على الحضارات أيضاً .
إن قانون الحضارات هو قانون يتكرّر ويتجسّد اليوم في واقع الأمة الإسلامية وفي كل مكان ، فنحن لو شكرنا اللَّه سبحانه وتعالى لدامت نعمه علينا كما يقول عز وجل : ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَعَذَابِي لَشَدِيدٌ ) ( إبراهيم / 7 ) . فهذا إعلان إلهي بأن الشكر يؤدّي إلى دوام النعمة ، بل وزيادتها .
الشكر وأسلوبه
والسؤال المطروح هنا هو : ما هو الشكر ، وكيف يكون ؟
الجواب : إن الشكر هو شكر كل نعمة من خلال الفيض بها على الآخرين ؛ فشكر
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 182
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٢