تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
تماماً ، ألا وهي حضارة ( سبأ ) التي كانت تمثل قبائل جنوب الجزيرة العربية في منطقة اليمن ، وقد استطاعت هذه الأمة أن تشيّد سد مأرب الذي ما تزال معالمه موجودة إلى الآن . ففي ذلك الوقت الذي يتحدث عنه القرآن الكريم والذي شُيّدت فيه الحضارة السبئية آتى اللَّه سبحانه العرب الحكمة ، فبنوا سدّاً في تلك المنطقة حفظوا فيه المياه ، ثم شقوا القنوات إلى مناطق شاسعة من بلادهم ، فغمرت بذلك الأرض واستصلحت ، حتى أن الرجل كان يكفيه أن يحمل سلّة فارغة ويمرّ تحت الأشجار المختلفة ثم يعود إلى بيته وقد امتلأت سلّته تلك بأنواع الفواكه دون أن يكلّف نفسه عناء قطفها ! واتسعت حضارة سبأ ، ولكن أصحابها كفروا بأنعم اللَّه ، فأباد عز وجل حضارتهم ، حيث سلّط على ذلك السد الفئران فهدمته ، فانطلق السيل العرم إلى المناطق الزراعية ، وأغرقها مع أهلها ، فهلك منهم من هلك ، ونجا منهم من هرب إلى شمال ووسط الجزيرة العربية . وقد حدّثنا القرآن الكريم عن هذه الحضارة بقوله : ( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوامِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَارْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي الَّاالْكَفُور ) ( سبأ / 17 - 15 ) فالقرآن يشير هنا بوضوح إلى أنهم لم يستحقوا العذاب والغرق والفناء إلا لأنهم أعرضوا وكفروا ، فكانت نهاية مأساوية لحضارة لو كانت شكرت أنعم ربها لدامت مئات السنين ، إلا أن الكفر هو الذي أدى إلى انقراضها وهي فيأوج قوتها وعنفوانها .