تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
التعامل مع الامكانات النهضوية . فمن الملاحظ أن سجلات وأروقة الهيئات والمنظمات الدولية والإقليمية والمحلية تزدحم بتسجيل براءات الاختراع والاكتشاف ، وكل يوم تطالعنا الصحافة العالمية بعشرات ؛ بل بمئات الاختراعات العلمية الحديثة الغريبة بحق . ولكن‌كل هذا وذاك لا يعني توفر السعادة للبشرية ، بل العكس هو الصحيح تماماً . إذ الجسم البشري أصبح كتلةً مشوهة لاتناسب فيها مطلقاً ، فالتفاوت كبير للغاية بين التطور العلمي وبين درجات كبح هذا التطور . وهناك اختلاف شاسع بين‌الإمكانات الطبيعية للبشرية وبين مستوى الاستقلال الذاتي لأصحاب هذه الإمكانات والموارد الحقيقيين ، فالواقع‌الملموس يشير إلى أن الغني يتضاعف غناه والقوي تتضاعف قوته ، فيما الفقير يزداد فقراً والضعيف يتكرس ضعفه‌باستمرار . وأن التطور العلمي والاكتشافات الحديثة لم تساعد في حل هذه المشكلة ، إن لم نقل إنها سبب رئيسي فيوجودها واستفحالها . فلقد أصبح مَثل الجسم البشري مَثل الشاحنة المتطور تقنياً ولكن تعوزها الكوابح ، فالعالم اليوم‌تعوزه القيادة الحكيمة والحازمة لضبط هذه الحركة هائلة السرعة لتتحكم بها وتوصلها إلى شاطئ الأمن والسلام . إن البشرية اليوم تتسابق مع الزمن لمجرد السباق ، إذ هي تفتقر كل الافتقار إلى وجود غاية تسير باتجاهها وإليها ؛ بمعنىأن حركة البشرية أضحت كحركة كرة الثلج الهابطة من قمة الجبل ، فهي كلما هوت إلى الأسفل كلما تضاعفت سرعتهاوكبر حجمها ، ولكنها لا تعي مصيرها ، فالوعي هنا سالب بانتفاء الحياة والروح لديها . فقد تقدم الإنسان في العصر الراهن تقدماً هائلًا في عالم الماديات ، ولكنه تضاءل وتراجع في عالم الروحانيات . ومما لا يخفى أن الروح هي الضابط الأوحد للمادة ، وهذه الروح إن لم تؤدي وظيفتها على الشكل الصحيح فإن المادة تكون‌ذات مردود سلبي على الإنسان . والرسول‌صلى الله عليه وآله وسلم يقول بهذا الخصوص : ( إن العقل عِقال من
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 166 | السيد محمد تقي المدرسي