الأيام عالماً مغلقاً أمام البشر ؛ أصبحت تمسح بالأقمار الصناعية مسحاًجيولوجياً ليكتشف ما في أعماقها من معادن وآثار وأحواض مائية ونفطية وتيارات هوائية عالية التأثير قد تتسببفي وقوع الزلازل والبراكين . . وإنسان اليوم يستطيع التحكم حتى بالنباتات ، حيث أخذ هذا التحكم وما يقف وراءهمن تقنية علمية بتوفير مواد غذائية جديدة ، واستطاع العلماء تحسين نطف الحيوانات ، فركّبوا بعضها على بعض . . . وهاهو العلم الحاضر يسعى إلى زرع خلايا الدماغ ، ويتجه إلى صنع أعضاء احتياطية حية لجسم الإنسان عبر الاستعانةبتحسين جينات الحيوانات الذكية .
وهذا التطور العلمي الحاصل لا يعني أن الإنسان قد وصل الذروة ، بل العكس هو الصحيح ، وفي ذلك إشارة واضحة ومباشرة إلى أن البشرية قد ضيعت مميزات أبلغ أهمية من التطور العلمي الذي حصلت عليه .
إن باستطاعة إنسان اليوم أن يجلس مستريحاً في بيته مطلق الاستراحة بفضل الخدمات التي ينفذها له الإنسان الآلي ، ويستطيع أيضاً تشييد مصنع معقد للسيارات المتطورة ، والتفرج على العقول الالكترونية وهي تعمل على قدم وساق لا يعوزها نقص ؛ واحتمال ارتكاب الخطأ فيها واحد إلى المليون . . فالإنسان الآلي المبرمج من قبل الإنسان الطبيعي ينجزمسؤوليات صانعه بإتقان أشد . ولكن هذا التطور وهذا الإنجاز قد كلف البشرية الكثير الكثير من مصداقيتها وقابلياتها وروحياتها ومستقبلها .
إننا ؛ ومن منطلق مفاهيم ديننا الإسلامي لا نقول بأن السبب في تراجع البشرية هو التطور العلمي والاستفادة منطاقات الأرض والكون ، بل العكس هو الأصح تماماً . فالنصوص الدينية الواردة فيها من التحريض على استثمارالطبيعة مالم يأت لها شبيه في دين أو عقيدة أخرى ؛ لا كماً ولا نوعاً . إن نظرتنا الدينية تؤكد بأن العلة فيما وصلت إليهالبشرية من جاهلية وعدم تناسب ، هو التفكير المادي المتحكم في
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 165
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٦٥