المعتقدات اليهودية ، كالاعتقاد بأنهمشعب اللَّه المختار وما إلى ذلك من أفكار خرافية ، فإن كل ذلك من آثار الفلسفة اليونانية التي كانوا يعتقدون بها ، والتيعكّرت صفو مذهبهم ؛ حيث خلطوا السم بالعسل ، فامتزجت قيمهم الحضارية الرفيعة برواسب جاهليتهم اليونانية القديمة ، فأضحوا يعيشون الازدواجية في تعاملهم . ولذلك لم يكن غريباً أن تصدر السلوكيات الهمجية الجاهلية منهم فيتعاملهم مع الأمم الأخرى في نفس الوقت الذي تسود فيه بينهم روح المدنية المتحضرة والديموقراطية ، حتى راحوايدافعون عن حقوق ( الحيوان ) ويؤسسون الهيئات والمنظمات التي تدافع لذلك .
إن الإنسان الأميريكي والغربي عموماً يعيشان سلوكين ؛ سلوكاً مظلماً قاتماً ، مصدره قيم الحضارة اليونانية ، وسلوكاًمضيئاً أخذ نوره من شمس الإسلام التي أشرقت على أوروبا في عصورها الوسطى . والحضارة اليونانية - كما هو معروف - هي حضارة الغاب ، وحضارة الوثنية والعنصرية التي ولدت في بيئة قادة عسكريين قساة كانوا يجهزونالحملات ، ويشنّون الهجمات على البلدان الأخرى المجاورة لهم فيحطموها ؛ ومثال ذلك الإسكندر المقدوني الذي كانيغير على البلدان المختلفة بجيوشه ، فيقتل ، ويذبح ، ويدمر ، ثم يصفق له شعبه تأييداً وموالاةً !
هذا في حين لا توجد في الإسلام أية شائبة من هذا القبيل ، فالإسلام ما رفع سيفاً إلا دفاعاً عن الحق ، ونصرةً للمظلوم ، وإعلاءً كلمة الإسلام ، وكان آخر ما يفكّر فيه هو السيف والقتال حيث لا يجد سبيلًا آخر . فالحضارة الإسلامية نابعةمن منهل القرآن العذب النقي ، فهي حضارة مهذبة من كل أثر جاهلي .
ترى لماذا لا نبادر نحن إلى استثمار الجيد الذي نمتلكه ، ولم نخلطه بالرديء الذي كان عندنا أيام الجاهلية الأولى ، أو بمانراه الآن عند الغرب من فساد وانحطاط حضاري ، لنشيّد حضارة عالمية جديدة نقية من كل جوانبها ؟ بالطبع إن هذاشيءٌ مطلوب للغاية ، فلقد استطاع أسلافنا بالأمس القريب أن يشيّدوا تلك الحضارة الرفيعة التي انتشرت في أقاصيآسيا ، وأعماق أفريقيا ، وأطراف أوروبا ، فهيمنوا على العالم بقيمهم ومبادئهم الإنسانية .
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 161
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٦١