تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
زراعتنا ، وزودونا بالمكائن والآلات غير الأساسية لنضيّع أوقاتنا في صناعات التجميع . وفي الحقيقة ؛ فإننا لو نظرنا إلى البلدان المتقدمة صناعياً نجد أن تقدمها هذا لم يحدث إلا من خلال التطوّر الزراعي ، وزيادة الإنتاج . فالأولى بكل بلد نامٍ - إذن - أن يطوّر زراعته أولًا ، ويؤمن إنتاجه ، ثم ينتقل بعد ذلك إلى المجال‌الصناعي . ولعل من الأسباب التي فجّرت الثورة الصناعية في عالم الغرب - وخصوصاً بريطانيا ، وكما يرى ذلك بعض‌المؤرّخين - هو الفائض في الإنتاج الزراعي الذي شهدته بريطانيا ، والدول الأوروبية الأخرى آنذاك . ومن أجل علاج تلك المعضلات لعلنا نقول : حسناً ؛ لنعط الزراعة حقها ، فهذه الأرض مفتوحة لمن أراد أن يستثمرها ، وبالإضافة إلى ذلك لنعط الحرية في الصناعة ، ولنشيّد المعامل ، وننتج . غير إن هذا وحد لا يكفي ؛ فالحرية بدون ضوابط وتنظيم لا تكفي ، بل إنها ستتحول بهذا الشكل العشوائي إلى طبقيةمقيتة ؛ فالبعض يستخدمون دهاءهم ولا يتورّعون عن ارتكاب أية جريمة ، وإذا بهم يشكلون كتلًا وتجمعات اقتصاديةخاصة ، ويمتصون من خلال هذه التشكيلات دماء الغالبية المسحوقة من أبناء شعوبنا ، فيزدادون - بالتالي - ثراءًوترفاً ، بينما يظل المسحوقون في فقرهم وفاقتهم ، وتضحى الحركة الاقتصادية عبارة عن سيطرة مجاميع من البرجوازية الكبيرة والصغيرة ، والرأسمالية ، والكارتلات على مقدراتنا . الحرية الاقتصادية والسياسية معاً وخلاصة القول ؛ إننا نسلّم بحاجتنا الماسة إلى الحرية الاقتصادية ، ولكن هذه الحرية لا تكفي لوحدها ، إذ لابد من حريةسياسية تؤازر الحرية الاقتصادية وتوجهها ، لأن الحرية الاقتصادية وحدها ومن دون خلفية سياسية تكون بمثابة ضابط وموجه لها ، لا تلبث أن تتحول إلى ذئب ضارٍ ينهش في جسد الأمة ، ويمتص دماءها . فالضوابط والتنظيم والإدارة الحازمة التي تتولاها القوة السياسية في البلاد