وكذلك قوله سبحانه وتعالى على لسان مؤمن آل يس الذي أنذر قومه فعذّبوه أشد ما يكون العذاب ، ثم ذبحوه من الوريد إلى الوريد ، ثم حرقوا جسده ونشروا رماده في البحر لكي لا يبقى له أثر ولا قبر ، ولكنه حينما دخل الجنة رأى ثمن الصبر والاستقامة والإيمان : ( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) ( يس / 26 - 27 )
وأيضاً قوله عز من قائل : ( لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ ) . ( الحشر / 20 ) فالجنة تفوق كل شيء وبصورة مطلقة ، لأنها فيها رضوان الله ، وفيها الخلود ، وفيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ولأن الطرف الآخر هو النار ؛ النار التي تترجم ارتكاب المعاصي والموبقات ، كما تترجم غضب خالقها .
إن ما نستفيده من الآية المباركة القائلة : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) . إن الذي يستقم لفترة من الوقت مخلصاً عمله لوجه الله تعالى ، سيأخذ الله بيده ولن يتركه ليسقط وينهار ، بل سينزل عليه الملائكة لترفده بالسكينة والاطمئنان ، وتفتح أمام عينيه الأفق الواسع نحو السعادة وقطف ثمار الاستقامة والإخلاص . .
إذن ؛ فالاستقامة قد لا تكون إلى الأبد ، فإنك قد تستقيم ولكنك تصل إلى درجة حيث تتنزّل الملائكة عليك . وإنَّ كثيراً من إخواننا الذين كانوا في سجون الطواغيت ووصلوا إلى حافة الانهيار تنزّلت عليهم الملائكة بمختلف الأشكال ، فقسم منهم كان يرى في يقظته أو منامه ولياً من أولياء
الإبتلاء مدرسة الإستقامة — صفحة 138
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٣٨