ولكن الرّشيد استدرك الموقف وقال وهو يبرّر عزمه على اعتقال الإمام بالقول :
بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ ! إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرٍ عَزَمْتُ عَلَيْهِ ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ فَأَحْبِسَهُ ؛ لِأَنِّي قَدْ خَشِيتُ أَنْ يُلْقِيَ بَيْنَ أُمَّتِكَ حَرْباً تُسْفَكُ فِيهَا دِمَاؤُهُمْ .
فَلَمَّا كَانَ اليَومُ التَّالِيْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مَقَامِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَأَمَرَ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَحَبْسِه « 1 » .
وَأُخْرِجَ مِنْ دَارِهِ بَغْلَانِ عَلَيْهِمَا قُبَّتَانِ مُغَطَّاتَانِ هُوَ فِي إِحْدَاهُمَا ، وَوَجَّهَ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَيْلًا فَأَخَذَ بِوَاحِدَةٍ عَلَى طَرِيقِ الْبَصْرَةِ وَالْأُخْرَى عَلَى طَرِيقِ الْكُوفَةِ ؛ لِيُعْمِيَ عَلَى النَّاسِ أَمْرَهُ ، وَكَانَ فِي الَّتِي مَضَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ . وَأَمَرَ الرَّسُولَ أَنْ يُسَلِّمَهُ إِلَى عِيسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ المَنْصُورِ وَكَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ حِينَئِذٍ ، فَمَضَى بِهِ فَحَبَسَهُ عِنْدَهُ سَنَةً .
ثُمَّ كَتَبَ إِلَى الرَّشِيدِ : أَنْ خُذْهُ مِنِّي وَسَلِّمْهُ إِلَى مَنْ شِئْتَ ، وَإِلَّا خَلَّيْتُ سَبِيلَهُ ، فَقَدِ اجْتَهَدْتُ بِأَنْ أَجِدَ عَلَيْهِ حُجَّةً فَمَا أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، حَتَّى إِنِّي لَأَتَسَمَّعُ عَلَيْهِ إِذَا دَعَا لَعَلَّهُ يَدْعُو عَلَيَّ أَوْ عَلَيْكَ ، فَمَا أَسْمَعُهُ يَدْعُو إِلَّا لِنَفْسِهِ يَسْأَلُ الرَّحْمَةَ وَالمَغْفِرَةَ ، فَوَجِّهْ مَنْ تَسَلَّمُهُ مِنْهُ . وَحَبَسَهُ عِنْدَ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ بِبَغْدَادَ ، فَبَقِيَ عِنْدَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً ، وَأَرَادَهُ الرَّشِيدُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ فَأَبَى ، فَكَتَبَ بِتَسْلِيمِهِ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى فَتَسَلَّمَهُ مِنْهُ ، وَأَرَادَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَمْ يَفْعَلْ ، وَبَلَغَهُ أَنَّهُ عِنْدَهُ فِي رَفَاهِيَةٍ وَسَعَةٍ وَهُوَ حِينَئِذٍ بِالرَّقَّةِ .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 48 ، ص 213 .