قَالَ : فَاسْتَطَارَ هَارُونُ غَضَباً وَقَالَ : ارْجِعْ إِلَيْهِ وَقُلْ لَهُ : لَيْسَ بِرِضَاكَ حَبَسْنَاكَ وَلَا بِرِضَاكَ أَخَذْنَاكَ ، وَاتْرُكِ الْجَارِيَةَ عِنْدَهُ وَانْصَرِفْ . قَالَ : فَمَضَى وَرَجَعَ ، ثُمَّ قَامَ هَارُونُ عَنْ مَجْلِسِهِ وَأَنْفَذَ الْخَادِمَ إِلَيْهِ ؛ لِيَسْتَفْحِصَ عَنْ حَالِهَا ، فَرَآهَا سَاجِدَةً لِرَبِّهَا لَا تَرْفَعُ رَأْسَهَا تَقُولُ : قُدُّوسٌ سُبْحَانَكَ سُبْحَانَكَ .
فَقَالَ هَارُونُ : سَحَرَهَا وَاللهِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ بِسِحْرِهِ ، عَلَيَّ بِهَا فَأُتِيَ بِهَا وَهِيَ تَرْعُدُ شَاخِصَةً نَحْوَ السَّمَاءِ بَصَرَهَا ، فَقَالَ : مَا شَأْنُكِ ؟ قَالَتْ : شَأْنِيَ الشَّأْنُ الْبَدِيعُ ، إِنِّي كُنْتُ عِنْدَهُ وَاقِفَةً وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْ صَلَاتِهِ بِوَجْهِهِ وَهُوَ يُسَبِّحُ اللهَ وَيُقَدِّسُهُ ، قُلْتُ : يَا سَيِّدِي هَلْ لَكَ حَاجَةٌ أُعْطِيكَهَا ؟ قَالَ :
وَمَا حَاجَتِي إِلَيْكِ ؟
قُلْتُ : إِنِّي أُدْخِلْتُ عَلَيْكَ لِحَوَائِجِكَ ، قَالَ :
فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ ؟
قَالَتْ : فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَوْضَةٌ مُزْهِرَةٌ لَا أَبْلُغُ آخِرَهَا مِنْ أَوَّلِهَا بِنَظَرِي وَلَا أَوَّلَهَا مِنْ آخِرِهَا ، فِيهَا مَجَالِسُ مَفْرُوشَةٌ بِالْوَشْيِ وَالدِّيبَاجِ ، وَعَلَيْهَا وُصَفَاءُ وَوَصَائِفُ لَمْ أَرَ مِثْلَ وُجُوهِهِمْ حَسَناً وَلَا مِثْلَ لِبَاسِهِمْ لِبَاساً عَلَيْهِمُ الْحَرِيرُ الْأَخْضَرُ وَالْأَكَالِيلُ وَالدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ ، وَفِي أَيْدِيهِمُ الْأَبَارِيقُ وَالمَنَادِيلُ وَمِنْ كُلِّ الطَّعَامِ ، فَخَرَرْتُ سَاجِدَةً حَتَّى أَقَامَنِي هَذَا الْخَادِمُ ، فَرَأَيْتُ نَفْسِي حَيْثُ كُنْتُ .
قَالَ : فَقَالَ هَارُونُ : يَا خَبِيثَةُ لَعَلَّكِ سَجَدْتِ فَنِمْتِ فَرَأَيْتِ هَذَا فِي مَنَامِكِ ؟ قَالَتْ : لَا وَاللهِ يَا سَيِّدِي ، إِلَّا قَبْلَ سُجُودِي رَأَيْتُ ، فَسَجَدْتُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ الرَّشِيدُ : اقْبِضْ هَذِهِ الْخَبِيثَةَ إِلَيْكَ فَلَا يَسْمَعَ هَذَا مِنْهَا أَحَدٌ ، فَأَقْبَلَتْ فِي الصَّلَاةِ فَإِذَا قِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ ؟ قَالَتْ : هَكَذَا رَأَيْتُ الْعَبْدَ الصَّالِحَ عليه السلام ، فَسُئِلَتْ عَنْ قَوْلِهَا ، قَالَتْ : إِنِّي لَمَّا عَايَنْتُ مِنَ الْأَمْرِ نَادَتْنِي الْجَوَارِي : يَا فُلَانَةُ ابْعُدِي عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ ؛ حَتَّى نَدْخُلَ عَلَيْهِ
الإمام الكاظم (ع) قدوة وأسوة — صفحة 76
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٧٦