( رَأَيْتُ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ وَهُوَ صَغِيرُ السِّنِّ فِي دِهْلِيزِ أَبِيهِ ، فَقُلْتُ : أَيْنَ يُحْدِثُ الْغَرِيبُ مِنْكُمْ إِذَا أَرَادَ ذَلِكَ ؟ فَنَظَرَ إِلَيَّ ثُمَّ قَالَ :
يَتَوَارَى خَلْفَ الْجِدَارِ ، وَيَتَوَقَّى أَعْيُنَ الجَارِ ، وَيَتَجَنَّبُ شُطُوطَ الْأَنْهَارِ وَمَسَاقِطَ الثِّمَارِ وَأَفْنِيَةَ الدُّورِ وَالطُّرُقَ النَّافِذَةَ وَالمَسَاجِدَ ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا ، وَيَرْفَعُ وَيَضَعُ بَعْدَ ذَلِكَ حَيْثُ شَاءَ
. قَالَ : فَلَمَّا سَمِعْتُ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُ نَبُلَ فِي عَيْنِي وَعَظُمَ فِي قَلْبِي ، فَقُلْتُ لَهُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ! مِمَّنِ المَعْصِيَةُ ؟ فَنَظَرَ إِلَيَّ ثُمَّ قَالَ :
اجْلِسْ حَتَّى أُخْبِرَكَ
، فَجَلَسْتُ ، فَقَالَ :
إِنَّ المَعْصِيَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْعَبْدِ أَوْ مِنْ رَبِّهِ أَوْ مِنْهُمَا جَمِيعاً ، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ أَعْدَلُ وَأَنْصَفُ مِنْ أَنْ يَظْلِمَ عَبْدَهُ وَيَأْخُذَهُ بِمَا لَمْ يَفْعَلْهُ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْهُمَا فَهُوَ شَرِيكُهُ وَالْقَوِيُّ أَوْلَى بِإِنْصَافِ عَبْدِهِ الضَّعِيفِ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْعَبْدِ وَحْدَهُ فَعَلَيْهِ وَقَعَ الْأَمْرُ وَإِلَيْهِ تَوَجَّهَ النَّهْيُ وَلَهُ حَقَّ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَوَجَبَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ
، فَقُلْتُ : ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ « 1 » ) « 2 » .
وروي عنه الخطيب في تاريخ بغداد ، والسمعاني في الرسالة القومية ، وأبو صالح أحمد المؤذن في الأربعين ، وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة ، والثعلبي في الكشف والبيان : ( وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَعَ انْحِرَافِهِ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ عليهم السلام لَمَّا رَوَى عَنْهُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَهَكَذَا إِلَى
النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ : وَهَذَا إِسْنَادٌ لَوْ قُرِئَ عَلَى المَجْنُونِ أَفَاق ) « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 34 .
( 2 ) بحار الأنوار ، ج 48 ، ص 104 .
( 3 ) بحار الأنوار ، ج 48 ، ص 106 .