الوجود ) ، وحاول البرهنة على عدم وجود شيء . وحتى لو افترض وجود شيء فإن الإنسان قاصر عن معرفته ، ولو حصل - فرضًا - على معرفته فإنه يستحيل أن يُعلِّمها غيره .
وأخذ الفكر الفلسفي ينهار لولا تحدِّي سقراط الذي ضحَّى بحياته في سبيل إعادة الناس إلى توازنهم الفكري ، ثم أفلاطون تلميذه الذي اتَّبع سبيل الحوار لاستعادة ثقة الفكر بنفسه ، وأخيرًا أرسطو الذي وضع أصول منطقه القائل بوجود مسبقات عقلية هي الركيزة الأولى لتقييم المعارف البشرية ، وإن كانت تنشأ من الإحساس بعملية الانتزاع . واتَّجه بيرون - وهو أحد فلاسفة اليونان - ناحية التوفيق بين إنكار الحقيقة وإثباتها ، فدعا إلى الشك واتِّبعه فريق كبير . إلَّا أنه قُدِّر لمذهب الشك أن يختفي عن مسرح الفكر حتى ابتداء القرن السادس ، حين عاد بفعل الثورة الثقافية التي عصفت بمسلَّمات القرون الوسطى وجعلتها خرافات لا قيمة لها .
ديكارت « 1 » :
ولعب ديكارت دور أرسطو في إعادة الناس إلى أفكارهم ، وتماشى معهم في فلسفته حتى شكَّك نفسه في معلومات قطعية . وفلسفة ديكارت عقلية تعتمد على وجود أحكام جازمة للنفس يستطيع الإنسان أن يحكم بها على سائر معلوماته . وتعتمد فلسفته حول قيمة المعرفة على الحقيقة التالية :
إن أية فكرة واضحة ومميَّزة لدى النفس بحيث لا يمكن التشكيك فيها بأية حجة ، فإنها فكرة صحيحة وذات قيمة . ويرى ديكارت : أن قيمة المعرفة ، الإيمان الثابت بها . فما وجد فيها هذا الإيمان أثبت لها القيمة . ومثَّل لها ب - ( فكر الإنسان ) ، فإنه لا يزداد مع الشك
هامش
( 1 ) رينيه ديكارت ( 1650 1596 ) ، فيلسوف فرنسي ، رياضي ، وفيزيائي ، يلقب ب - ( أبو الفلسفة الحديثة ) ، وكثير من الأطروحات الفلسفية الغربية التي جاءت بعده ، هي انعكاسات لأطروحاته ، التي ما زالت تدرس حتى اليوم ، خصوصاً كتاب ( تأملات في الفلسفة الأولى - 1641 م ) الذي ما زال يشكل النص القياسي لمعظم كليات الفلسفة . كما أن لديكارت تأثير واضح في علم الرياضيات ، فقد اخترع نظامًا رياضيًّا سمي باسمه وهو ( نظام الإحداثيات الديكارتية ) . الذي شكل النواة الأولى ل - ( الهندسة التحليلية ) ، فكان بذلك من الشخصيات الرئيسة في تاريخ الثورة العلمية . وديكارت هو الشخصية الرئيسة لمذهب العقلانية في القرن ( 17 م ) ، كما كان ضليعًا في علم الرياضيات ، فضلًا عن الفلسفة ، وأسهم إسهامًا كبيرًا في هذه العلوم ، وهو صاحب المقولة الشهيرة : ( أنا أفكر ، إذن أنا موجود ) .