تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧

2 - آراء في قيمة المعرفة

العقل حيث يكشف شيئًا ، لا يتردد فيه ولا يقبل أي نوع من التشكيك حوله ؛ لأنه يراه واضحًا مميَّزًا مشهودًا . ومن هنا لا يُصدر العقل حكمًا إلَّا إذا كان موثوقًا به 100 % ، وهناك يصح الاطمئنان به كاملًا ، ويحصل القلب على السكينة . والعلم بعضٌ من العقل وهو الشهود المباشر ، والكشف الواضح للأشياء . ولأنه كذلك فإنه يقيم ذاته ، ويُعطي للنفس السكينة والاطمئنان وبصورة لا تقبل الشك . ونحن إذا أردنا أن نقيّم العلم فهل نقيّم بغير العلم أم بالعلم ذاته ؟ والعلم إذا تشككت فيه لا يقيّم نفسه ، والجهل - بالطبع - لا يقيّم العلم . عندما بحثنا عن المعرفة في منهج القرآن ، بيَّنا أن العقل نور هادٍ يكتشف ذاته بذاته ، والعلم - لأنه وليد العقل - فإنه يُقيَّم بالعقل ، والتقييم بالنسبة إليه خطأ ، لأنه لا يكون إلَّا به ولكن الإنسان أعرض بوجهه عن عقله ، وحاول إعطاء قيمة للمعرفة بعيدًا عنه . ولتقييم المعرفة تاريخ طويل ؛ ففي اليونان اجتاحت الفكر موجة عارمة من السفسطة في القرن الخامس الميلادي ، كان مبدعوها ومغذوها طائفة من السياسيين المحترفين ، جمعوا كل من فشل في حياته الشخصية ليُعلِّموه طريقة الجدل ، ويُقحموه في حقل السياسة . وهكذا أصبحت المناقشات اللاعقلانية سيدة الموقف في اليونان . وتطورت هذه الحالة حتى أدَّت إلى مبدأ غورغياس « 1 » الذي ألَّف كتابًا في ( عدم
هامش
( 1 ) ولد في ليونتيوم ( 375 - 480 ) ، وتتلمذ على يد أنبادوقليس ، واشتغل بالطبيعيات . اهتم باللغة والبيان ، فكان أفصح زمانه وأبلغهم . جاء إلى أثينا يطلب العون لمدينته على أهل سراقوصة ، فأعجب الناس بأثينا ببلاغته . يصوره أفلاطون في الحوار المعنون باسمه على أنه مفاخر بمقدرته على الإجابة عن أي سؤال يلقى عليه . مات في تساليا وقد قاربت سنه المائة أو جاوزتها ، وعظم صيته ، وضخمت ثروته . وضع كتابًا في اللاوجود قدم به إلى التمثيل لفنه ، والإعلان عن مقدرته بالرد على الإيليين والتفوق عليهم في الجدال .