إلَّا أن جوهر فلسفته هو الكشف عن حقيقة الكون . الناس يزعمون أن حقيقة الأشياء هي الوجودات المستقلة عنا ، القائمة بذاتها . ولكن هذا خطأ ؛ إذ إن حقيقتها لا تعدو أن تكون مجموعة تصورات تتفاعل داخل شعور كل منا . وكل ما يقول الناس عن العلم والصناعة والتاريخ والاكتشافات والنشاطات المادية حقيقة لا ريب فيها ، ولكن نسأل عن معنى الحقيقة ؟ إنهم يحسبون أن معناها الوجود المادي الكثيف ، ولكني أقول : إن معناها الوجود الذهني اللطيف .
ومن هنا ، فلم يكن يجدي باركلي حجج الماركسية التي زعمت أن تكثيف كلمات علمية وتسطيرها وتكديسها على بعضها ، تكفي للقضاء على أية نظرية تريد تحطيمها ، فقامت بسرد اكتشافات العلم وحوادث التاريخ في محاولة لدحض المثالية ، ولكنها غفلت عن أن المسألة أعمق مما تتصورها . إن المسألة انما هي في وجود أي واقع خارج المادة . باركلي يقول : كل ذلك صحيح ، ولكنه لا يعني وجود واقع خارج الشعور ، بل يدعم القول بأنها كلها تصورات شعورية محضة .
باركلي يرفض الاعتراف بشخص ماركس « 1 » وهيغل « 2 » ، بل يقول : قد يكونان مجرد شبحين في تصوري ، فكيف أؤمن بأفكارهما ؟ وحتى إذا آمن بهما فإنه لا يؤمن بما يريانه ويرويانه من وقائع الوجود الخارجي إلَّا بعد تفسير الوجود بالشعور .
باركلي « 3 » يشكك :
وقد أخذ باركلي يشكك نفسه بالواقع الخارجي عن طريق وجود تناقض في
هامش
( 1 ) كارل ماركس ( 1818 - 1883 ) . فيلسوفًا ألمانيًّا ، سياسي ، وصحفي ، ومنظّر اجتماعي . قام بتأليف العديد من المؤلفات إلا أن نظريته المتعلقة بالرأسمالية وتعارضها مع مبدأ أجور العمال هو ما أكسبه شهرة عالمية . لذلك يعتبر مؤسس الفلسفة الماركسية ، ويعتبر مع صديقه فريدريك إنجلز المنظرين الرسميين الأساسيين للفكر الشيوعي .
( 2 ) جورج ويلهلم فريدريك هيغل (Georg Wilhelm Friedrich Hegel ) ( 1770 - 1831 )فيلسوف ألماني . ويعتبر أحد أهم الفلاسفة الألمان حيث يعتبر أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي . مات بمرض الكوليرا عام 1831 وما كتبه عن الجماليات وفلسفة الدين وفلسفة التاريخ فلم تنشر إلا بعد موته .
( 3 ) باركلي ، جورج ( 1685 - 1753 م ) . مطران إنجليكاني وفيلسوف ، وُلد في أيرلندا في مقاطعة كيلكيني . وقد حاول ربط العلم السائد في عصره بالنصرانية . أعلن باركلي أن الأشياء المادية ، مثل الطاولات ، هي نفسها الأفكار أو الأحاسيس التي نشعر بها تجاه تلك الأشياء ، ومن هذا المنظور لا تعد التفاحة شيئًا سوى لونها ، وشكلها ، وملمسها ، ووزنها ، وطعمها ، وخواصها الأخرى على النحو الذي ندركه بأحاسيسنا . كما قال إن الخصائص أو الأفكار التي نشعر بها لا توجد إلا في مخيلتنا ، وهي تتغير بتغير الشخص الذي يتلقاها . فمثلًا المياه الدافئة نفسها تبدو ساخنة لليد الباردة وتبدو باردة لليد الساخنة . وهكذا بدا لباركلي أن الخصائص التي نشعر بها ما هي إلا أفكار تعتمد على العقل الذي يتلقاها ، وليس لها وجود مستقل . وكان بعض الفلاسفة الآخرين في الغرب يعتقدون أن الأشياء المادية المحسوسة تتكون من مادة ، والمادة هي الشيء الذي توجد فيه الخصائص المختلفة ، ومن المفترض أن المادة توجد خارج العقل ، ومستقلة عنه ، ولكن نظرًا لأنه ليس لدينا إحساس مباشر بالمادة فقد رأى باركلي أنه ليس هناك مايدعونا إلى الاعتقاد بوجودها . ونظرًا لاعتقاد باركلي أن الأشياء تتكون من مجرد أفكار فهو من أنصار الفلسفة المثالية . وحيث إنه يرى أن العالم محصور فيما يمكننا أن نتعلمه بتجاربنا المباشرة منه ، فهو أيضًا من أنصار المذهب القائل : إن المعرفة كلها مستمدة من التجربة .