وأنه لو تجرد الإنسان عن الإحساس لتجرد عن كل معارفه .
ومن هنا : تنفي هذه النظرية وجود معلومات سابقة ( أو ما نسميه بالعقل ) ، ولذلك فهي تبعد عن ذاتها كل محاولة لمعرفة ما وراء المادة ( الغيب ) . وتزعم هذه النظرية : أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف حقيقة إلَّا بتجربتها مباشرة ، فليست هناك حقيقة استنباطية يسير فيها الفكر من الحقائق العامة إلى الحقائق الجزئية . فالمثل التالي مستبعد كليًّا عن المنهج التجريبي : كل فلز يمتد بالحرارة والحديد فلز فلابد أن يمتد بالحرارة . بل يجب أن نجرب الامتداد على الحديد بالذات حتى يمكننا أن نقول : ( الحديد يمتد بالحرارة ) . وهكذا يبعد هذا المنهج كل مثل متشابه ، ذلك لأنه يستبعد العلم الكلي ( كل فلز يمتد بالحرارة ) ويقول : من أين عرفنا هذا العموم ، هل من التجربة على الحديد التي كانت بين التجارب التي أجريت على كل فلز ؟ وإذًا فلا نستفيد من الكلي ( كل فلز يمتد بالتجربة ) لأنه لا يعدو أن يكون تكرارًا للمفهوم السابق ، أم من دون التجربة على الحديد بين الفلزات .
فمن أين حصلنا على هذا المفهوم ، إن لم نكن قد جربنا كل الفلزات ؟ . والعلم لا يحصل من دون التجربة .
الماركسية تتناقض :
لقد سبق القول في نقد النظرية الحسية ، ونلخصه فيما يلي :
1 - أن قيمة الحس والتجربة لا يمكن أن تثبت إلَّا بوجود شيء عند النفس يُمكِّنها أن تقيّم الحس والتجربة . وذلك ما نسميه بالعقل . ولو افترضنا عدم وجودها فما الذي تفيدنا قيمة الحس والتجربة ؟ .
قال فريق منهم : إن التجربة ذاتها دليل تقييمها . . حسنًا ؛ فتلك التجربة التي تقيم التجارب الأخرى ، هل هي ذات قيمة أم لا ؟ . إذا كانت لها قيمة فمن أين عرفنا قيمتها ؟ .
والواقع أننا نؤمن بقيمة التجربة ، وهذا الإيمان نابع من عقولنا التي تحكم بذلك .
2 - كيف يمكننا تفسير العلة والمعلول ، والحسن والقُبح ، والخير والشر ؟ هل هذه الحقائق تدرك أيضًا بالتجربة ؟ . وكيف ، مع أنها معلومات لها من القيمة لدينا كقيمة التجربة ، ولها من الوضوح كوضوحها ؟ .