تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
أما أن العلم صفة ذاتية للإنسان ، فهذا ما يرفضه الإسلام ، والسبب : ألف : لو كان العلم صفة الذات لم يجز أن يتخلف في لحظة عن الذات ، ذلك أن الذات لا يفقد نفسه إلَّا ساعة انعدامه . أترى ، هل يمكن أن يجهل الله سبحانه شيئًا وهو يملك العلم بصفة ذاتية ، أم أن النور يمكنه أن يتخلَّف عن الحركة والإشراق وذاته الحركة والإشراق ؟ هذا مع أننا نلاحظ : أن الإنسان لا يعلم ثم يعلم ثم ينسى ما علم . قال الله سبحانه ، وهو يذكِّر بهذه الحقيقة الواضحة : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَليمٌ قَديرٌ « 1 » . ونحن نعلم من أنفسنا صفة الجهل الذاتية ، لأن العلم لا يحصل لنا إلَّا بتعب وإرهاق ، ثم يزول بسرعة مع هبوب عاصفة النسيان التي تتناوب على أنفسنا فتكنس معها معلوماتنا . باء : إن ذاتي الشيء لا يحدد . . إن الجهل والعدم والعجز من ذاتنا ، ولذلك فهي غير محدودة ، لأنها إذا كانت محدودة إذًا لم تكن ذاتية لنا . أما العلم والإرادة والوجود والقوة فهي مواهب أو مكاسب ، ولذلك فهي محدودة . وبتعبير آخر : إن التحديد يعني العدم في بعض الجوانب . فلو حددنا علم رجل ببلده مثلا فذلك يعني أنه لا يعلم عن البلاد الأخرى شيئًا ، وإذا كان الرجل ذاته عالمًا فكيف لا يعلم شيئًا عن البلاد الأخرى ؟ أفلا يعني ذلك أن هذا الرجل عالم وجاهل في لحظة ؟ وهو تناقض مرفوض . وهل يصح أن نقول : إن ذات الحرارة هي الحركة ( أي لا يمكن أن توجد حرارة ولا توجد حركة أو العكس بأن توجد حركة ولا توجد حرارة ) ثم نقول : إن الحرارة يمكنها ألَّا توجد في وقت أو في حالة مع وجود الحركة ؟ ! . إذًا فنظرية أفلاطون الاستذكارية مرفوضة بسبب واحد وهو أنها تدَّعي أن العلم من ذات الإنسان . ولو فسرنا هذه النقطة منها ، إذا استطعنا القبول بها فيما يخص العلم ، فسرناها بالقول : إن الله سبحانه وهب الإنسان العقل ، ولكن هذا العقل محتجب بالنسيان وأن التذكر به يرجعه إليه .
هامش
( 1 ) سورة النحل ، آية : 70 .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 71 | السيد محمد تقي المدرسي