( كما قال كاردوزو ) . أما العالم النابغة فيسلك بالغريزة الطريق المؤدي إلى الاكتشاف » « 1 » .
وكل من يقوم بدراسة حالة العظماء يعرف أن المعرفة لم تحدث لديهم إلَّا بشكل من الاكتشاف المفاجئ . إن هذا الامتداد يحدث بنور العقل الخالص دون أية دوافع نفسية أو مصلحية ، وهذا هو الذي يميزه عن الامتداد الكاذب . إذ إن ذلك الامتداد يحدث برغبة نفسية معينة ، أما هذا الامتداد فإنه هو الذي يقود البشر إلى الاعتراف بصورة جازمة دون أية دوافع .
والسؤال ، هنا : كيف يحدث هذا الامتداد ؟ ، وما هي السبل الكفيلة لسلامته والمحافظة عليه دون دواعي الشهوة البشرية ؟ .
جوابًا عن هذا التساؤل : لابد أن نعلم أن العقل يقوم بدورين أساسين في تحويل الإحساس إلى علم ، يتلخص الدور الأول في توجيه الجوارح ، توجيهًا صحيحًا ، والتثبُّت في إحساسها ، والمقارنة بين الأحاسيس المختلفة . في حين يتلخص الدور الثاني في المقارنة بين الإحساس والأحكام العقلية ( السابقية ) . كذلك المقارنة بينه وبين التجارب الماضية . وبالتالي تأمين القفزة الصائبة من الإحساس إلى العلم .
وفيما يلي نشير إلى نوعية قيام العقل بهذه الأعمال :
نقد العقل للإحساس
1 - إن هناك شروطًا تمهيديةً للتجربة يبينها العقل . فمثلًا : لا يجرب الإنسان حقيقة تبدو له أنها مفروغ من صحتها أو فسادها ، إنه لا يجرب مثلًا : ثقل الحديد الذي يرسب به إلى قعر الماء . وبالفعل حين قال رجل لصاحبه : تعالَ نجرب صنع سفينة من حديد ؛ استخف به ورمى بقطعة حديد في الماء وقال : انظر يا غبي كيف رسبت ؟ . ولكن الواقع : أن السفينة قد تكون من حديد ، وأنها كانت من جهالة الرجل حين اعتقد أنها مستحيلة . . ولو امعنَّا النظر ، عرفنا أن الرجل كان غائب العقل حين قال بذلك ، إذ إن العقل الصحيح لا يحكم باستحالة مثل ذلك .
من هنا نعلم أن هناك شروطًا لمرحلة ما قبل التجربة يجب توافرها سلفًا ، من أهمها وجود مناخ فكري مناسب لها عند المجرب ذاته ، وهو لا ينشأ دون وجود عقل منفتح .
هامش
( 1 ) الإنسان ذلك المجهول : ص 146 .