تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
لكيلا يتسارع الإنسان في الحكم دون تثبُّت كامل وإحاطة تامة بمحتملاته . ولقد عبرت الآية بكلمة : وَلا تَقْفُ الدالة على أن البشر يجب أن يقسم الأمور أمامه إلى خطوات ، فلا يخطو خطوة إلى الأمام إلَّا إذا قاده العلم الذي لا ريب فيه إليها ، ولا يكون متسرعًا ، فيعترف كليًّا أو يرفض كليًّا ! ! . 3 - إننا بسرعة نكوّن مفهومًا خاصًّا وواحدًا عن التفاحة ، مع أن العملية بحاجة إلى معارف عقلية مسبقة تجمع شتات الأحاسيس وتقول لنا : إن الرؤية التي نقلت إلينا حجم التفاحة ولونها ، وأن اللمس الذي عَرّفنا وزنها وملاستها ، وأن الذوق أو الشم الذي عرفنا الطعم والرائحة . . كل هذه الأحاسيس إنما هي تعبير عن شيء واحد هي ( التفاحة ) . إن هذه الوحدة النظرية لم نستطع الحصول عليها دون وجود العقل الذي لم يكشف لنا عن وحدة السبب فحسب ، بل وأيضًا كشف عن أن كل عرض ( اللون ، الطعم ، الرائحة و . . و . . ) ، لا يطرأ إلَّا على شيء ما ( هو الذات ) . وأن لذات الشيء علاقة بعرضه وبالتالي يكشف لنا عن حقيقة التفاحة . إن التفاحة ليست - لدى علمنا - مجموعة صور من الأحاسيس المتفرقة كما شاءت بعض الفلسفات الحسية أن تتصورها ، بل هي حقيقة واحدة متكاملة ، ذات خصائص متصورة . ومعرفتنا بهذه الوحدة إنما هي بسبب نوع من المقارنة الإيجابية تكشف عن وحدة الأحاسيس . هذه بعض الشروط التمهيدية للتجربة الحسية يوفرها العقل . المقارنة وسيلة العقل : وإلى جانب هذه الشروط ، لدينا معارف عقلية - تقوم بمقارنات - نكشف بها خطأ بعض أحاسيسنا ، وهي كالتالية : ألف : المصاب بالدوار لا يشك في أن حسه هو مبعث الإحساس بحركة العالم ، وذلك لدى مقارنة حسه بحس الآخرين . إذ إن لدى كل منا حكمًا عقليًّا لا نرتاب فيه ، يتلخص في : أن الواقع يجب أن يحس به كل أحد . فما دام الآخرون لا يحسون به ، نكتشف أن الذي يحس به وحده لابد أن يكون خاطئًا . وهكذا كل إحساس خاطئ ينكشف زيفه فور مقارنته بإحساس الآخرين ، أو بإحساس الرجل ذاته في سائر الأوقات .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 60 | السيد محمد تقي المدرسي