تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
ونستطيع تحديد هذا المناخ بالقول : إن الجهل والغفلة البشرية قد تطبع على عقل الإنسان بحيث لا يُوجِّه إحساسه إلى أقرب الأشياء إليه ليعرف من خلاله الحقيقة ، ولا يرضى تجربة ما سواه . ولذلك ، فإن الإسلام يوجب على المؤمن أن يظل منفتح الذهنية أبدًا ولا يسارع بالنفي عند سماع كل شيء جديد ، وأنكر على أولئك الذين يرفضون الاعتراف بالفكرة لمجرد أنهم لم يجربوها من قبل . قال الله تعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحيطُوا بِعِلْمِهِ « 1 » . 2 - والذين يحملون أوزارًا فكريةً معينةً ، لا ينظرون إلَّا من زاوية قناعاتهم الخاصة ؛ ولهذا فإن تجاربهم تبدو ناقصة وغير مفيدة لأنها تفسر بعض الحقيقة فقط . فمثلًا : الذي يحمل عقيدة معينة بشأن شخصية تاريخية أو حدث تاريخي ، فإنه يحاول دراسة الكتب التي تؤيد وجهة نظره دون الكتب المخالفة لها . . ولذلك تصبح معلوماته ناقصة حتى حول عقيدته الخاصة ؛ لأنه لا يدرسها إلَّا في حدود معينة وبترسبات سابقة . ومن هنا نكتشف أن العقل ضروري لتوجيه الحس إلى الإحاطة بالشيء ، والتثبت من التجربة دون الحكم على الموضوع بسرعة وقبل اكتمال تجربته وتعميمها على جميع الحالات التي قد يكون لتغيرها نوع من التأثير في صحة التجربة . وقد سبق القول منا بأن رأس العقل هو التثبت ؛ ذلك لأن الإنسان جُبِلَ على الثقة الساذجة بنفسه ، بحيث يصعب عليه الاعتراف بجهله ، ولئن اعترف فإنه سرعان ما يعود فيدَّعي العلم . والعقل المضيء هو الذي يحكم على الذات بأنها جاهلة ، ويكشف لها عن جهلها ؛ فتضطر إلى البحث عن المعرفة . وهنا فقط تتجرد عن ضلالتها السابقة وتبدأ تجرب الحقائق بروح موضوعية . وهذا هو الشرط الثاني الذي يوفره العقل للحس حتى يكون موضوعيًّا . وقد أوحت بهذا الأمر آية قرآنية كريمة حين قالت : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا « 2 » . والملاحظ في هذه الآية ربط الإحساس بالمسؤولية التامة ،
هامش
( 1 ) سورة يونس : آية : 39 . ( 2 ) سورة الأسراء : آية : 36 .