تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
ونحن نضم أصواتنا إلى أصواتهم ، وننكر أن يكون مجرد الانتزاع علمًا . والواضح أن الانتزاع ، عمل من أعمال النفس ، لا يكشف الخارج أبدًا . ولكنها بعيدة عن الامتداد الصحيح للمعلومات ، الذي هو القسم الثاني ، والذي لا يرتاب في صحته أحد حتى المنتمون إلى المدارس الحسية . باء : الامتداد الصحيح : الامتداد الصحيح ، هو الذي يكشف لنا السبب الواقعي لحادثة معينة . فمثلًا : حين نجد موت حيوان بصورة فجائية ، نقوم بالتجربة ونرى انفجارًا في مخه ، ونقوم بعد هذه الملاحظة بعملية تفجيرية اصطناعية في مخ حيوان آخر ، فإذا وجدنا موته هو الآخر ، فلا نرتاب في أن أي حيوان في مثل هذه الحالة إذا حدث في مخه انفجار مثل هذا ، فإنه سيموت . ونجد أن هذا العلم لا يخضع للتصور الذهني بل هو انكشاف وشهود للنفس . إن ( أديسون ) الذي قام بتجاربه المحسوسة في حقل الكهرباء وحفظ الضياء ، عرف أنه لا مناص له من العثور على خيط من الكربون ، فكربن كل ما وقعت عليه يداه بغية الوصول إلى فتيل كربوني رفيع يصلح للإضاءة العملية . وبعد تجربة 1200 مادة من أنواع المواد ، وجدها أنها كلها ليست من الصلابة بالقدر الكافي للبقاء أكثر من 8 دقائق ، وإذا به - فيما يقرب من اليأس - جاء بخيط فكه من أحد أزراره وعندئذ ألهم أن يكربن هذا الخيط القطني التافه فإذا به يبرهن على أنه أطول عمرًا من كل ما جرب ، فقد ظل مشتعلًا أربعين ساعة قبل أن ينطفئ . إن هذه كانت خطوات ( أديسون ) لكشفه العظيم ( المصباح الكهربائي ) . فإذا أردنا تتبع خطواته عرفنا أن الحس كان يلعب دورًا ثانويًّا ، وأن كشفه الحقيقي إنما كان لأن إحساسه دفع إلى معرفة السبب . فلو افترضنا أن أديسون لم يكن يملك العقل الكافي ، فهل كان يعلم حين يجرب على خيط واحد أن كل ما يشابه هذا الخيط هو مثله ولو لم يكن قد رآه فعلًا ؟ ! . يقول الكسيس كاريل - وهو مكتشف قدير - : « جميع عظماء الرجال وهبهم الله بصيرة ، فهم يعرفون دون تحليل أو تفكير ما هي الأشياء الهامة التي يجب عليهم أن يعرفوها . ولهذا فإن الزعيم الحقيقي للرجال لا يكون بحاجة إلى الاختبارات النفسية أو بطاقات التوصية ، حينما يريد أن يختار مساعديه . كما أن في استطاعة القاضي الفذ أن يصدر حكمًا عادلًا دون الدخول في تفاصيل الحجج القانونية ، بل حتى إذا بدأ بحثه بالمقدمات الخاطئة
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 57 | السيد محمد تقي المدرسي