باء : وقد تصاب العين بالمرض فترى الأشياء مقلوبة ، ولكن اليد تكشف زيف هذا الإحساس ، حين تلمس الأشياء لتجدها سالمة . وهكذا يحكم العقل بين الأحاسيس المختلفة بمقارنتها ببعضها .
جيم : وقد تبصر العين رجلًا قزمًا فلا يتردد العقل من الحكم بأنه طويل القامة ، لأنه يقارن المسافة بينه وبين الرجل ، فيقول : إذا كانت الرؤية من بعد ميل تظهر الشخص بهذا الطول - نصف متر - فلابد أنه إذا اقترب يظهر ذا طول قد يتجاوز المترين . وهكذا يقدر العقل دور المسافة في العين والأذن وسائر الأعضاء ، بل هكذا يقدر سائر القوانين الفيزيائية ، كوزن الشيء في الماء ؛ فإن الإحساس البسيط يزعم أنه خفيف مثل ما يتصور ، إلَّا أن العقل سرعان ما يحكم بخلاف ذلك .
دال : مقارنة سائر العوارض الداخلية ، فقد تشعر جميع أعضاء الجسم بالبرودة أو بالحرارة الشديدة ، ولكن العقل لا يتردد في أن ذلك إحساس باطل ؛ لأنه يتقارن مع عوارض المرض ، مما يدل على زيف الإحساس . وهكذا في كل مرض ، كفقدان التوازن والذوق والشم و . . . و . . .
وتتشابه الأخطاء الحسية الناجمة من العقاقير المخدرة كالأفيون والهرويين و . . . و . . . بالأخطاء المرضية التي لا يلبث العقل حتى يفضحها .
وهناك عدة أنواع أخرى من المقارنة لا نذكرها لأنها متشابهة ومعروفة ، ويقوم كل واحد منا بتجربتها يوميًّا وبصورة عفوية ، إلَّا أنه ينبغي أن نبين هنا حقيقة المقارنة ونقول :
إن كل مقارنة تنطوي على مجموعة من الأحكام العقلية التي لم نعد نلتفت إليها لسرعة تحققها وشدة وضوحها . فمثلًا : إن المقارنة بين ما نحس به وأحاسيس الآخرين ، إنها تنطوي على الحكم الواضح الذي لا نرتاب فيه ، وهو أن ما أحس به أن كان هو الواقع وجب ألَّا يختلف فيه حس الآخرين لأنهما من طبيعة واحدة ، وتكشفان عن حقيقة واحدة . فلابد أن يكون الاختلاف بسبب آخر هو المرض والخطأ وما أشبه . ودون العقل من أين نعرف أن الحقيقة واحدة ، أو أن الحقيقة الواحدة لا تبث إلَّا لونًا واحدًا من الإحساس عندي وعند الآخرين ، أو أن للاختلاف سببًا خارجيًّا . فلماذا لا يكون الشيء بلا سبب ؟ .
وبهذا كله ، نتمكن من فضح المغالطة الكبيرة التي استند إليها النسبيون حين قالوا :
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 61
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٦١