تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
حسبت العقل وليد للمادة المتطورة نفسها ، فادَّعت أنه يتطور أيضًا . ولم تستطع تلك الفلسفات اكتشاف حقيقة العقل التي لا تعدو أن تكون طاقة من نور زُوِّدت بها النفس للكشف عن الحقائق بصورة مباشرة . ولذلك فإن حكمه مشهود متيقن ثابت ، وأن أي حكم يتغير أو يُتصوَّر فيه التغيير لهو ليس بحكم العقل . ومن هنا لا يمكن القول : بأن 2 * 4 / 2 إنما هو صحيح اليوم ويمكن أن يتطور غدًا حسب تطوُّر الأوضاع السياسية فيصبح 2 * 5 / 2 ؛ إذ هذا القول مضحك بذاته لدى كل نفس عاقلة . وأيضًا كان الزعم بأن القول ( إن الحادث بحاجة إلى سبب ) صحيح اليوم أما غدًا فحيث يحكم البلاد نظم جديدة في الاقتصاد ، فإن الحادث يمكن أن يحدث بلا سبب ، كان هذا الزعم قولًا مرفوضًا بذاته ، وهكذا . إن هذه الميزات الأربع تُبعد عن مجال حكم العقل ركام التصورات التي حسبها الجاهلون عقلًا ، فخلطوا بها أحكام العقل الصحيحة ، ووقعوا في فوضى لا نهاية لها . خلاصة القول : 1 - أن للعقل أحكامًا سابقة - لم تجرب - تكون مقياسًا للإنسان في معرفة الفكر الصحيح . 2 - وبالرغم من أن هذه الأحكام لم تُولد مع الإنسان فإنها ليست - أيضًا - وليدة تطور ذاتي له ، أو مؤثرات مادية فيه ، بل إنما هي موهوبة له في فترة البلوغ . 3 - وأن الأحكام ليست العقل ذاته ، بل العقل هو الذي يكتشف تلك الأحكام للذات ، وقد نتج من الجهل بهذه الحقيقة أن أخذ ( كانت ) و ( ديكارت ) وكثيرون آخرون ؛ أخذوا ينقدون الأفكار النفسية ظنًّا منهم أنهم ينقدون العقل ، وقد كانوا محتاجين إلى نور العقل في كل خطوة خطوة من نقدهم هذا . ولذا فإن نقدهم لتلك الأفكار ، كان اعترافًا منهم بصحة العقل . 4 - أن للأحكام العقلية أربع ميزات ؛ إنها جازمة لا ريب فيها ، وشاملة لا تقييد فيها ، وواحدة عند كل عاقل ، وثابتة لا تطور فيها . وسنرى بإذن الله ، كيف تُكوِّن هذه الخصائص بعض القيم التي تستند إليها النفس في نقد أفكارها .