الواقع وشهوده . فكيف يجد الإنسان الواقع ثم يشكك فيه ؟ . ومن هنا فإن الحكم بقبح الظلم وحسن التضحية وجمال الآداب ليست أحكامًا تقبل الريب ، والذي يرتاب فيها يحاول الفرار منها بتغيير موضوعاتها بحيث تصبح الأحكام ليست هي التي تغيرت بل موضوعاتها فقط تبدلت ، فمثلًا : الذي يقول : إن الظلم حسن ؛ يُغيِّر معنى الظلم حتى يجعله يساوي معنى العدل ، ثم يقول بأنه حسن .
2 - وأن أحكام العقل شاملة لا تُخصَّص ، فإذا كانت الرذيلة قبيحة فليس هناك فرق بين أن تكون صادرة من كبير أو صغير ، وفي أي عصر وأي زمان . وإذا كانت الحادثة بحاجة إلى علة مُحدِثة وسبب مُوجِد ، فلا فرق بين أن تكون الحادثة رمي كرة القدم أم وجود كرة الأرض . وإذا كانت الصدفة محالة في وجود ساعة يد ، فإنها محالة أيضًا في صنع مخ الإنسان . وإذا كانت معادلة : 5 * 25 / 5 صحيحة ، فلا فرق أن تكون في أي وقت وأي مكان .
3 - وأن أحكام العقل تتفق عليها عقول البشر ؛ فالعقل هو العقل في أي رأس عاش وفي أي مخ سكن . وما هي فضيلة أو رذيلة هنا فهي في كل مكان ولدى كل إنسان فضيلة أو رذيلة ، ولذلك كانت الحجة بين العباد العقل - حسبما جاء في الحديث « 1 » - فلنذهب أنَّى شئنا فلن نجد الفضيلة في الخيانة والنفاق وبيع الأوطان وإيثار النفس على الآخرين . ولن نجد معاني التضحية والفداء والشجاعة والإباء من معاني الرذيلة . ومن هنا ، فإن الأمم تتبارى بهذه القيم ، وتجعل منها مقياسًا يحتجُّون به وينتهون إليه ، وترتكز أجهزة إعلامهم على الادِّعاء بأنهم يُمثِّلون الفضيلة والعدل وأن أعداءهم يُمثِّلون الزيف والباطل . وهكذا أصبح العقل حجةً بين الأفراد ومقياسًا لكل أحكامهم ، فلا يمكن - مثلًا - أن نتصور رجلًا عاقلًا في الأرض يحكم عقله بإمكان الصدفة أو صحة التناقض ( تواجد الوجود والعدم في لحظة ) والتشكيك في وجود الذات و . . . و . . .
4 - وأن أحكام العقل لا تتطور حسب تطور الأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية أو الفسيولوجية وما أشبه ؛ لأنها تكشف عن الحقائق الخارجية . تمامًا كما لا تتغير المرآة وهي تعكس صور الحياة الناشطة الحركات . . وهنا تختلف الرؤية الإسلامية في المعرفة عن النظريات الذاتية والديالكتيكية التي سنتناولها بالبحث ؛ بإذن الله . ذلك أن تلك النظريات
هامش
( 1 ) جاء في الحديث عن الإمام الصادق ( ع ) : « حُجَّةُ الله عَلَى الْعِبَادِ النَّبِيُّ ، وَالحُجَّةُ فِيمَا بَيْنَ الْعِبَادِ وَبَيْنَ الله الْعَقْلُ » الكافي ج 1 ص 25 .