تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
التناقض والصدفة ، وقبح الظلم والشر ، وإمكان الخلق والإبداع ، وحسن العدل والخير . . إن هذه السابقيات ليست ذاتها العقل ، بل إنها حقائق يكشفها نور العقل للنفس كما يكشف ضوء الشمس ألوان الحقول . وكان خطأ الإنسان الأكبر غفلته عن مصدر النور وتوجهه إلى الأحكام ؛ زاعمًا أنها هي حقيقة النور ، فراح يبحث عن مصدر يقيِّم بها تلك الأحكام . ولو كان الإنسان قد تذكر أن الذي يساعده على البحث ليس إلَّا هذا النور ، وأنه لو افتقده أصبح كالمجنون والنائم حيث لا يفهمان أمرًا ولا يعلمان شيئًا ، وأنه أشبه شيء بنور الإرادة ونور الحرية اللذين تملكهما النفس البشرية ، وتملك بهما القدرة على الاختيار وهي بذاتها قدرة ذاتية لا تعلل . . أقول : لو فعل الإنسان ذلك إذًا لتخلص من سلسلة لا تنتهي من المشاكل العلمية التي أحاطت بنظرية المعرفة . ذلك لأنه - حينذاك - يجد أن البحث عنه - كما سلف - ضرب من الإسراف والترف الفكري . إذ ما من بحث إلَّا وهو يؤكد وجود قوة للإنسان تساعده على البحث ، وهي بالتالي تنير طريقه إلى الحقيقة ، وتلك القوة هي العقل ، وهو نور مقدس عن الإحاطة به من لدن الذات . من هنا كانت عملية ( كانت ) النقدية - التي سيأتي التفصيل عنها إن شاء الله ، والتي استهدفت نقد العقل - كانت عملية موغلة في الجهل ؛ إذ إن الغفلة عن نور العقل ، ذلك النور الذي لم يستطع ( كانت ) ذاته القيام بعملية النقد دون وجوده لديه ، إن الغفلة عنه فقط كانت السبب في التوجه إلى السابقيات الذهنية ، كتصور الزمان والمكان والعلة و . . . و . . . لينقدها وينتهي بالتالي إلى نظرية النسبية ومنطقه الوضعي . ولو أن ( كانت ) كان يتذكر وجود نور يجعله يُقيِّم الأشياء ويعتمد على تقييمه هذا ، وأن ذلك النور هو الذي يكشف له عن الزمان والمكان والعلة والسبب ، إذًا لنقد الأشياء به ، ولم يزعم أنه استطاع نقده هو ، غافلًا عن أن العقل لا يمكن الإحاطة به فكيف يُتاح له نقده ، وبأي شيء ينقد الإنسان عقله ؟ أبعقله أم بجهله ؟ والعقل لا يشكك في ذاته والجهل لا يمكنه نقد العقل . ومن هنا أيضًا ، أصاب ( ديكارت ) دوار عنيف في مسيرته عبر العقول إذ إنه شكك نفسه في معلوماته النظرية . وحين زعم أنه تخلَّص منها ، قام ليبني صرح العلم على قواعد جديدة فلم يَرَ تحت رجليه حجرًا ثابتًا ، وجرَّ إليه انتقادات كبيرة من لدن معارضيه من الحسيين . ورغم أن ( ديكارت ) عقلي التفكير فإنه أيضًا مخطئ في منهجه ، وينشأ خطؤه من أمرين : الأول : تشكيكه في أن تكون سابقياته الفطرية « 1 » ناشئة من النفس أو من قوة شيطانية
هامش
( 1 ) لاحظ : بول فولكييه ، الفلسفة العامة ، من ص . و : فروغي ، سير حكمت در أوروبا ، ج ، من ص .