وليست هذه الأحكام العقلية حسبما تظهر لمن تذكر بها ، ليست بمختصة بما يحتاج إليه الإنسان في حياته العملية من نقد الأفكار المتناقضة التي تستقبلها أجهزة الإحساس وتبتدعها تصورات النفس . بل إن العقل يهدي النفس إلى كل حسن وكل قبح وكل محال وكل ممكن ومن كل المستويات ، على مستوى الأعمال الشخصية ، وعلى مستوى الأعمال الاجتماعية ، وعلى مستوى الكون أيضًا حيث يهدي البشر إلى الحقيقة الكبرى في الكون ؛ حقيقة الخلق والتقدير ، وتتجه به إلى الإيمان بالله الخالق المدبر ؛ ذلك لأن هذه الحقائق كلها في صف واحد ، والعقل هو العقل .
فمثلًا ، حين يُبصر العقل حسن الخير وقبح الشر ، فلن يُفرِّق في رؤيته هذه بين الخير الضئيل والخير الجليل ، والشر القليل والشر المستطير ، لأنه كله ينطوي على طبيعة الخير وطبيعة الشر . وحين يرى الإنسان بعقله أن فاعل الخير يُشكر ، فلن يُفرِّق بين أن يكون فاعل الخير العبد أم المعبود .
إن واجب الشكر يشمل كلًّا منهما بذات الرؤية الواحدة والحكم الواحد .
والخلاصة : أن العقل يكشف الحقيقة . وكما أن الكبير حقيقة ، فالصغير أيضًا حقيقة ، تمامًا كما تبصر العين المرئيات ، ولا فرق فيها بين أن تكون صغيرة أو كبيرة .
وبهذا تتبين أن النظرة الإسلامية حول العقل نابعة من إعطائه الثقة الكاملة في كشف الحقائق الغيبية ، خلافًا لتلك النظريات التي تُحدِّد العقل بالشؤون المادية وتنتزع منه حق الحكم في الأمور الغيبية ، وتجعل الدين هو الحاكم المطلق في تلك الحقائق . ومن هنا جاء في الحديث عن الإمام الصادق ( ع ) : «
مَنْ كَانَ عَاقِلًا كَانَ لَهُ دِينٌ . .
» « 1 » ، وعن الإمام علي ( ع ) : «
لَا دِينَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ
» « 2 » . وخلافًا أيضًا للحسيين والتجريبيين الذين حدَّدوا العقل بحدود المادة المحسوسة ؛ إذ ليست الأحكام العقلية حسب هذه الرؤية نابعة من مقتضيات التجربة الخاصة أو الحس المادي حتى تختص بالعالم المحسوس ، بل إنها نابعة من النور الذي يجد الإنسان كل شيء به ، حتى أن التجربة ذاتها والحس نفسه لن يُفيدا شيئًا دون وجود ذلك النور حسبما يأتي تفصيل القول فيه بإذن الله .
بين العقل والسابقيات العلمية :
وللعلم : إن السابقيات الفكرية التي تملكها النفس البشرية ، مثل : العلم باستحالة
هامش
( 1 ) الأصول من الكافي : ج 1 ، ص 11 .
( 2 ) غرر الحكم ، حكمة رقم : 511 .