واحدة إلَّا أنه ينطوي على مجموعة أحكام عقلية صائبة .
وهكذا يُميِّز العقل بين حسٍّ باطل وحسٍّ صحيح . . فحين يُصاب المرء بالدوار ويزعم أن الكون يدور من حوله ، لا يشك العقل في أن حِسَّه باطل لأنه يخالف سائر أحاسيسه من جهة وأحاسيس سائر الناس من جهة ثانية . وحين يغمس يدين في ماء واحد ، فتحس إحداهما بأن الماء حار والثانية بأنه بارد ، فإن العقل لا يتردد أن يحكم فورًا بأن اليد تتأثر بحالتها السابقة ، فحيث كانت إحدى اليدين في الماء الحار - سابقًا - شعرت بأن هذا الماء بارد ، وحيث كانت الأخرى - سابقًا - في الماء البارد شعرت بأن هذا الماء حار . والماء على هذا ماء فاتر ، فهو بالنسبة إلى الحار بارد ، وبالنسبة إلى البارد حار . وحين نسمع أخبارًا متناقضة ، فالعقل يحكم بأنها لا يمكن أن تكون جميعها صحيحة ، بل يبحث عما ينبغي أن يطمئن إليه ، ولذلك يقوم بتحليل الدوافع التي دعت أصحابها لنقل الأخبار المتناقضة ، لأن العقل يحكم بأن وراء كل عمل دافعًا نفسيًّا معينًا ، فإذا وجد أن دافع أحد ناقلي الأخبار سليم ، حكم بصحة خبره . ومعرفة الدافع أيضًا تدور على محور أحكام عقلية ، فلا يمكن أن يكون دافع الرجل الصالح ، الذي عُرِفَ منه الصدق والوفاء والأمانة والتضحية والشجاعة والشهامة و . . . و . . . إلَّا دافعًا سليمًا . ولا يمكن أن يكون دافع من يكون الخبر ضد مصلحته واعترافًا منه على نفسه إلَّا دافعًا سليمًا و . . . و . . .
هكذا يصبح العقل أمام العلم حسبما جاء في حكمة رشيدة للإمام موسى بن جعفر ( عليه السلامهما ) قال فيها : «
. . نُصِبَ الخَلْقُ [ نَصْبُ الْخَلْقِ ] لِطَاعَةِ الله ، وَلَا نَجَاةَ إِلَّا بِالطَّاعَةِ ، وَالطَّاعَةُ بِالْعِلْمِ ، وَالْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ، وَالتَّعَلُّمُ بِالْعَقْلِ يُعْتَقَدُ ، وَلَا عِلْمَ إِلَّا مِنْ عَالِمٍ رَبَّانِيٍّ ، وَمَعْرِفَةُ الْعَالِمِ بِالْعَقْلِ
» « 1 » .
وفي حكمة للإمام أمير المؤمنين ( ع ) يقول : «
الْعُقُولُ أَئِمَّةُ الْأَفْكَارِ ، وَالْأَفْكَارُ أَئِمَّةُ الْقُلُوبِ ، وَالْقُلُوبُ أَئِمَّةُ الحَوَاسِّ ، وَالحَوَاسُّ أَئِمَّةُ الْأَعْضَاءِ
» « 2 » .
أليست الأفكار فوضى لا تقيد إلَّا بهدى العقل ، وبمسبقاته الصائبة ؟ .
أو ليست القلوب - أي النفوس - لا يمكنها أن تهتدي دون الأفكار الصائبة ، وإذا كانت الحواس تعمل وفق إرادة الإنسان فإن إرادة الإنسان نابعة من نفسه - أي قلبه - فتكون القلوب - إذًا - أئمة الحواس وهُداتها .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ج 1 ص 138 ( من وصية الإمام موسى بن جعفر ( ع ) لهشام بن الحكم حول العقل ) .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 1 ، ص 96 .