تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
خِصَالٍ يُعْرَفُ بِهَا الْعَاقِل » « 1 » . هكذا تتضافر النصوص الإسلامية على بيان آيات العقل وآثاره لكي تكون تذكرة إليه ويقظة له من الداخل ، لأنه ليست هناك أية حقيقة يمكنها أن تكشف العقل لنا دون العقل ذاته ، والعقل لا يمكن معرفته إلَّا بالتذكرة إلى آثاره . بين العقل والعلم : وحيث يتعرَّف الإنسان إلى العقل ، يستطيع أن يُميِّز العلم من الخيال . فالعقل يحكم باستحالة التناقض والتضاد ، وقبح الشر والظلم ، وبصحة محسوسات الجوارح ، وإنه يقدر على أن يرد كل حادث إلى سببه وكل هاجس - في النفس - إلى عِلَّته ، ويقدر على تمييز كل فكرة صحيحة من الخاطئة بعد التأكد من سببها ، وهو يحكم بأنه لو انكشف الواقع أمام الإنسان انكشافًا واضحًا ، بحيث لا يمكن للنفس التشكيك فيه ، فلا يكون ذلك إلَّا علمًا صحيحًا ، وأما لو أحب المرء أن يعتقد بفكرة لمصلحة أو هوى في نفسه ، فلا يمكن أن تكون تلك الفكرة إلَّا باطلة . فمثلًا : قد تهجم على شاشة النفس تصورات متفاوتة من واقع واحد ، فيرى المرء أن جاره رجل طيب ، ثم يرى في الوقت ذاته أنه شرير ، ويرى أن القيام بأذاه قبيح ولكنه في اللحظة ذاتها يتراءى له أنه عمل شريف وواجب . . هنا تتداخل التصورات وتتوتر النفس ، ويحتار الإنسان فيتدخل العقل ليبرز العلم الصحيح ، ذلك الذي يكشف فعلًا عن الواقع الخارجي ويميزه من الخيال ، فيقول محللًا بأناة : كيف عرفت أن جاري رجل طيب ؟ . أبقول الناس أم بقياس أعماله ، أم بطيبة أبيه ؟ . فإذا وجد أن ما دعاه إلى تصور الجار رجلًا طيبًا كان قول الناس - مثلًا - إذا وجد ذلك وقف ليوجِّه إلى نفسه سؤالًا ثانيًا : هل يمكن للناس أن يكذبوا وليست لديهم أية مصلحة في القول بصلاح جاره ؟ . فيحكم ويقول : كلَّا . . ثم يحاول التعرف إلى السبب الذي دعاه إلى تصوره رجلًا خبيثًا ، فيجد أن جاره طالبه بحقه الذي لا يمكنه إلَّا الاعتراف به ، وهنا يعلم أن السبب في هذا التصور المُشوَّه عن جاره الطيب يكمن في مصلحته وهواه الذاتي ، والعقل يحكم بأنه لا يمكن أن يكون هذا دليلًا على أنه رجل شرير . بهذا يُفرِّق بين تصور خاطئ وتصور صحيح . والأمر لا يعدو أن يجري خلال لحظة
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 1 ، ص 129 .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 35 | السيد محمد تقي المدرسي