باء : ثم إن الناس لا يتَّفقون دائمًا في وضع شكل خاص للسلطة ، أو فرد معين لممارستها ، فيكون مبعث خلافات لا تنتهي ( كما هي موجودة الآن ) ، وهي تُسبِّب شقاء البشرية .
جيم : إن الإنسان حين يكون مُعرَّضًا للخطأ في كل أطواره ، ومُعرَّضًا للتأثر بالدعاية والتأثر بالنزعات والتأثر بالشهوات وما أشبه من أنواع المؤثرات في النفس ، فلابد أن يأتي تعيينه لنوع الحكومة والحاكم خطأ على الأغلب ( كما نجده اليوم وقبل اليوم ، حيث نواجه كل يوم نظرية جديدة وشخصًا جديدًا وليس الثاني بأحسن من الأول وإن عارضه وخالفه ) .
دال : إن سلطة الشعب على نفسه تُمنى في أحسن الفروض بهذه المساوئ . أما إذا جاء الاستغلال - وهو آتٍ قطعًا - ، وأما إذا استبد الرئيس بالحكم وزوَّر الانتخابات ، وأما إذا أطاح الانقلاب العسكري بالحكم وحُلَّت الأحزاب ؛ فهنالك شقاء ليس وراءه شقاء .
ولهذه النواحي وغيرها فقد قرَّر الدين أن حق الحكم إنما هو لله فقط ، ولله أيضًا حق انتخاب الرئيس وليس للناس أن يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله .
والرسول مبعوث الله وخليفته في الأرض . يقول القرآن : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللّهِ « 1 » . والإمام خليفة الرسول لقول الله سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا أَطيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي اْلأَمْرِ « 2 » .
أما بعد الإمام فيتولى شؤون المسلمين الفقيه التقي ؛ لأنه ممثل عام للإمام ( ع ) بنص صريح منه ، وهو قول الإمام العسكري عن الإمام الصادق ( عليه السلامهما ) : «
فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِنًا لِنَفْسِهِ ، حَافِظًا لِدِينِهِ ، مُخَالِفًا عَلَى هَوَاهُ ، مُطِيعًا لِأَمْرِ مَوْلَاهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ . .
» « 3 » . وفي حديث آخر : «
. . فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَأَنَا حُجَّةُ الله عَلَيْهِمْ
» « 4 » . وفي حديث ثالث : «
فَلْيَرْضَوْا بِهِ حَاكِمًا فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِمًا
» « 5 » .
هامش
( 1 ) سورة النساء ، آية : 64 .
( 2 ) سورة النساء ، آية : 59 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 2 ، ص 88 .
( 4 ) بحار الأنوار : ج 53 ، ص 180 .
( 5 ) وسائل الشيعة : ج 27 ، ص 300 . كلمة الجعل التي نجدها في القرآن وفي هذا الحديث عند بيان سلطة النبي ( ص ) والفقيه توحي بأمر هام ، هو أن سلطة النبي ( ص ) ، وكذلك سلطة الفقيه ؛ ليست ذاتية وإنما هي مجعولة اعتبارية مستمدة من سلطة الله سبحانه . إنها سلطة طارئة ، سلطة عارضة .