قَالَ الشَّامِيُّ : بَلْ فِي وَقْتِنَا هَذَا .
قَالَ هِشَامٌ : هَذَا الْجَالِسُ ( يَعْنِي أَبَا عَبْدِ الله ( ع ) ) الَّذِي نَشُدُّ إِلَيْهِ الرِّحَالَ وَيُخْبِرُنَا بِأَخْبَارِ السَّمَاءِ وِرَاثَةً عَنْ أَبٍ عَنْ جَدٍّ .
قَالَ الشَّامِيُّ : وَكَيْفَ لِي بِعِلْم ذَلِكَ .
فَقَالَ هِشَامٌ : سَلْهُ عَمَّا بَدَا لَكَ .
قَالَ الشَّامِيُّ : قَطَعْتَ عُذْرِي . . . » « 1 » .
الإمامة ضرورة حضارية :
إن أبسط تعريف للإنسان وأشمله هو : أن الإنسان خُلِقَ حضاريًّا . وهذا يعني امتلاكه لمؤهلات الحضارة . وليست الحضارة سوى القدرة على التحكم في الذات .
ولا ريب في أن كل إنسان يجد أمامه آفاقًا واسعة يستطيع الانطلاق فيها إلى أسمى مراتب الضبط الذاتي . ولو فتشنا التاريخ لوجدنا أن قفزاته التقدمية كانت نتيجة البطولات السامية التي تتمتع بها فئة قليلة من بني آدم ، ولم يكن الآخرون إلَّا مجرد أتباع اقتفوا آثار البطولات تلك . فلولا تلك البطولات إذًا لكان يلفُّ التاريخ ظلام كثيف . وأحداث التاريخ تدل على أن أعظم أولئك الرجال هم المؤيدون بالغيب . فلم يشهد التاريخ من استطاع أن يزكي الناس ويربِّيهم بسيرته المشرقة سوى الأنبياء ومن اتِّبعهم .
وهكذا كان مقتضى النظام الكوني الذي يتمتع بالدقة المتناهية ألَّا يدع مُدبِّرُها الإنسانَ ، الذي جُعِلت فيه مؤهلات التقدُّم الحضاري ، يعيش الهمجية دون أن يبعث إليه المزيد من هؤلاء الرجال الأفذاذ الذين يُعلِّمون الناس بسيرتهم الشخصية كيف يمكن لهم أن يبلغوا المجد الرفيع ، وهذا التعليم العملي يُدعى في منطق الشريعة بالحجة ، إذ إن هؤلاء سيكونون دليلًا واقعيًّا على إمكانية التقدُّم الحضاري .
والخلاصة : لابد للناس ممن يُربِّيهم على الضبط الذاتي والأخلاق الحضارية ، ولابد أن يتفوَّق هذا الرجل علمًا وعملًا ويبلغ في ذلك المنتهى ، ولا يكون ذلك إلَّا لمن عصمه الله .
فلزم أن يبعث الله من خلقه مِنْ يربيهم ، فبعث الأنبياء ( عليهم السلام ) في حينهم ، وجعل من
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 23 ، ص 9 .