رسالاته . وبما أنه من الواضح أن المسلمين لم يبلغوا بعد عهد الرسول ( ص ) درجة من النضج الفكري والرشد الاجتماعي ، وأخيرًا لم يتقمَّصوا الشريعة الإسلامية بصورة كاملة لا علمًا ولا عملًا ، لما دل على ذلك من اختلافهم الواسع في الأحكام والمعارف الإسلامية ، لزم أن يكون لهم إمام معصوم من بعد الرسول يقوم ببيان الأحكام وشرح المعارف حتى يكتمل نضج طائفة طليعية في الأمة تستمر بها الأمة مدى الدهر محتفظة بالروح الإسلامية الكاملة . هذا من جانب ، ومن جانب آخر لزم أن يكون لهم من يُجري عليهم الأحكام حتى لا تضيع الرسالة في زحمة الأهواء المادية .
والحديث التالي يشير إلى هذه الحقيقة ، إذ يقول الإمام الرضا ( ع ) : «
فَإِنْ قَالَ : فَلِمَ جَعَلَ أُولِي الْأَمْرِ وَأَمَرَ بِطَاعَتِهِمْ ؟
قِيلَ لِعِلَلٍ كَثِيرَةٍ ، مِنْهَا : أَنَّ الخَلْقَ لَمَّا وَقَفُوا عَلَى حَدٍّ مَحْدُودٍ وَأُمِرُوا أَلَّا يَتَعَدَّوْا ذَلِكَ الحَدَّ لِمَا فِيهِ مِنْ فَسَادِهِمْ ، لَمْ يَكُنْ يَثْبُتُ ذَلِكَ وَلَا يَقُومُ إِلَّا بِأَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِمْ فِيهِ أَمِينًا يَأْخُذُهُمْ بِالْوَقْفِ عِنْدَمَا أُبِيحَ لَهُمْ ، وَيَمْنَعُهُمْ مِنَ التَّعَدِّي ، وَالدُّخُولِ فِيمَا خَطَرَ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لَكَانَ أَحَدٌ لَا يَتْرُكُ لَذَّتَهُ وَمَنْفَعَةً [ مَنْفَعَتَهُ ] لِفَسَادِ غَيْرِهِ ، فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ قَيِّمًا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْفَسَادِ وَيُقِيمُ فِيهِمُ الحُدُودَ وَالْأَحْكَامَ . .
» « 1 » .
القيادة ضرورة أبدًا :
هل الأمة بحاجة إلى قيادة ؟ .
لقد كانت هذه الحقيقة موضوع نقاش حينما قالت طائفة الخوارج بعدم حاجة المجتمع إلى قيادة ، أو عندما قالت الفوضوية بذلك ، فإنها غير واردة أبدًا اليوم ، إذ لم يعد هناك أي إنسان يشك في ضرورة القيادة للإنسان ، والتاريخ لم يهدنا إلى مثال واحد استغنى فيه المجتمع عن القيادة . ومن هنا وجب على الإسلام أيضًا أن يُعيِّن القيادة الصالحة .
وبما أن الدين الإسلامي أتم الشرائع ، كان لا بد أن تكون قيادته بمستواه ، وهل يتحقق ذلك في غير الإمام المعصوم وهو أعلم أهل عصره وأتقاهم ؟ .
والخلاصة : إن المجتمع بحاجة إلى القيادة ، وخير القادة المعصوم العالم المُؤيَّد من قبل الله
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 23 ، ص 32 .