ومجنون و . . ! . وإلى ضرب الحصار الاقتصادي عليه في شعب أبي طالب ، وإلى أن ذهب إلى الطائف فعامله سادتها أسوأ معاملة . وقال أحدهم في وجهه مستهزئًا : « أَنَا أَسْرِقُ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ إِنْ كَانَ اللهُ بَعَثَكَ بِشَيْءٍ قَطُّ » . وقال الآخر : « أَعَجَزَ اللهُ أَنْ يُرْسِلَ غَيْرَكَ » . وقال ثالث : «
وَالله لَا أُكَلِّمُكَ بَعْدَ مَجْلِسِكَ هَذَا أَبَدًا ، وَلَئِنْ كُنْتَ رَسُولًا كَمَا تَقُولُ فَلَأَنْتَ أَعْظَمُ خَطَرًا مِنْ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْكَ الْكَلَامُ ، وَإِنْ كُنْتَ تَكْذِبُ عَلَى الله فَمَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُكَلِّمَكَ . .
» « 1 » .
ثم أغروا به سفهاءهم فرموه بالحجارة حتى سقط على صخرة مُثخنًا بجروح بليغة فلم يدعوه يستريح حتى تابعوه بالحجارة والسب فتابع رحلته إلى خارج الطائف .
وناجى ربه قائلًا : «
لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ
» « 2 » .
دون أن يبالي بكل ذلك .
أقول : لم يكن للرسول أية دوافع شخصية ولا دوافع اجتماعية أو اقتصادية أن يُعرِّض نفسه ومركزه للخطر ، ابتداءً بافتقاده مركزه الاجتماعي ، ومرورًا بمصائبه الكبيرة في مكة ، وانتهاءً بالحروب التي شُنَّت ضده في المدينة .
ولم يكن كل ذلك من مثل محمد ( ص ) إلَّا شاهدًا كبيرًا على صدقه في دعوته وشدة يقينه برسالته . وهكذا نقول بكل تأكيد : إن الرسول ذاته دليل رسالته .
ثم ما الذي يدعوه إلى الكذب والخيانة ؟ .
أهو المال ؟ . وهو الذي رفض العرض المغري الذي قدَّمه إليه سادة قريش والذي احتوى على أكثر أموال العرب مقابل تنازل الرسول عن دعوته الرسالية .
أم هو الجاه ؟ . وقد عرض عليه أن يسود على العرب جميعًا بشرط أن يترك رسالته فرفض .
أم كان العيش الرغد ؟ . وهو الذي اكتفى بأزهد نصيب بين المسلمين وحَمَّل نفسه أشق الأعمال ، ولم تختلف به الحال منذ أن كان يتيمًا في حضن عمه وإلى أن أصبح سيد العرب المطاع ، بل زاد رغبة عن الدنيا وزهدًا فيها .
وكلمة الخلاصة : إن تحليل شخصية الرسول ( ص ) يهدي إلى واقع رسالته ، فإن
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 18 ، ص 76 .
( 2 ) راجع : بحار الأنوار : ج 19 ، ص 21 .