تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
فجيء إليه ببعض التجار ، فسألهم هرقل عمَّن هو أقربهم نسبًا بالرسول . فقال هرقل : هل أنتم كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ . أبو سفيان : لا . هرقل : هل يغدر ؟ . أبو سفيان : لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها . هرقل : قد أعرف أنه لم يكن يذر الكذب على الناس ويكذب على الله . وأبو سفيان هذا كان من أبرز المعارضين للرسول الذي قاد حروبًا ضارية ضده وألَّب عليه العرب جميعًا ، ولكنه يقول فيه : إنه لم يكن كاذبًا ، ويُبرِّر قولته بعدئذ بأنه « والله لولا الحياء من أن يأثروا عليَّ كذبًا لكذبت عليه » . إن هذا المبرر شاهد على السمعة الطيبة التي أحاطت بالنبي ( ص ) وجعلت أعداءه يعترفون - رغمًا منهم - بصدقه وأمانته . وبهذا الدليل يكتشف البروفيسور بورسورت سميث شخصية النبي ( ص ) البالغة البهاء والروعة فيقول : عندما أُلقي نظرة إجمالية أستعرض فيها صفاته وبطولاته ، ما كان منها في بدء نبوته وما حدث منها فيما بعد ، وعندما أرى أصحابه الذين نفخ فيهم روح الحياة وكم من البطولات المعجزة أحدثوا ، أجده أقدس الناس وأعلاهم مرتبة حتى أن الإنسانية لم تعرف له مثيلًا . ولقد كان النبي ( ص ) قادرًا على إحراز أكبر قدر من السيادة والثروة والرفاهية ؛ لأنه كان يتمتع بمركز اجتماعي فريد في قومه ، بسبب أنه من قريش ومن بني هاشم ساداتها التقليديين . وقريش كانت سيّدة العرب بسبب حكمها على مكة عاصمة الجزيرة العربية . وأما الثروة فقد كان يتصرف في أموال زوجته البرّة خديجة ( س ) التي كانت من أغنى الناس في مكة . وأما من ناحية الرفاهية فقد كان يملك الوداعة والأمن والعيش المناسب لعصره ، وفجأة دعا الناس إلى الرسالة الجديدة بعد الأربعين من عمره ، وبالضبط حين يذهب عن النفس البشرية طيشها وغرروها ويبدأ المرء يتعقّل ، وحين كانت التقاليد تقضي لصاحب الأربعين بالتفوق والكمال . في هذا الحين بالضبط عرَّض نفسه لأكبر الأخطار وأعظمها ابتداءً من افتقاده سمعته كسيد قريش في المستقبل وتحوُّله في الإعلام المعادي إلى ساحر