2 - الرسول :
من خلال سيرة الرسول ( ص ) منذ أن كان يافعًا يعزف عن اللهو ، أو كان فتى يرعى تجارة خديجة فيلتزم بالصدق والأمانة ، أو كان رجلًا يتميَّز بين أترابه بأنه يقبل الغريب ويرحم الضعيف ويؤوي المسكين ، وإلى أن بُعث نبيًّا يحمل بين كفيه النور والهدى إلى العالم كله ، وحتى أصبح سيد العرب جميعًا من خلال سيرته في سِنِيّ عمره وأطوار حياته ، لم يعهد منه معاصروه الكذب والخيانة فسموه ( الصادق الأمين ) ، فلم يستطيعوا نعته بالكذب حتى بعد أن بُعث بالرسالة وسفَّه أحلام قريش وقاد الحروب ضدها . رأوا فيه إنسانًا يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة ويتجنَّب الرذائل ويتحلَّى بالفضائل . هذا محمد بن عبد الله ( ص ) الذي أُعجب به من عاصره العدو والصديق - وأُعجب به من جاء بعده - من عدو وصديق - ؛ هذا الإنسان ادَّعى النبوة وكان يعرف أبعاد دعواه ، وهي أن من يدعو إلى النبوة فهو يدعو إلى الله ويدَّعي الاتصال به والبعثة من لدنه إلى الناس جميعًا في كل العصور « 1 » .
كما كان يعرف بكل دقة أن الذي يدَّعي النبوة كَذِبًا فإنما هو أخبث الناس وأظلمهم لنفسه وللناس جميعًا ؛ لأنه يُغرِّر بالناس ويخدعهم ويبعدهم عن الصراط المستقيم « 2 » ، ذلك لأنه ينسب الكذب إلى الله رب العالمين ويتسلَّم قيادة الناس جميعًا وفي كل العصور ، فإن كان غير كفؤ لها جرَّهم إلى الردى ليس في عصره فقط بل على مر العصور ، حيث إن اتِّباع هذا الرسول لا يقتصر على زمان حياته بل قد يدوم إلى الأبد ، كما هي الحال في رسالة النبي محمد ( ص ) . فمعنى كذب مُدَّعي الرسالة إضلال الملايين عن السعادة . إن هذا الظلم ما أعظمه وما أكبره . ولا يقدم على هذا الظلم إلَّا أخبث الناس الذي انسلخ عن كل قيمة إنسانية ، فكيف يدَّعيه محمد بن عبد الله ( ص ) الذي عرفناه بالصدق والأمانة ؟ ! .
إن دعوى الرسول - هذا الصادق الأمين - لا تحتاج إلى حجة تدعم صحتها ، بل
هامش
( 1 ) كان النبي ( ص ) يقول عن الله سبحانه : يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ( سورة يونس ، آية : 57 ) . قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَاْلأَرْضِ ( سورة الفرقان ، آية : 6 ) ، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحى ( سورة النجم ، آية : 3 - 4 ) . هذه هي دعوة الرسول التي هتف بها منذ البداية ، وهي تدل - فيما تدل - على أن الرسول كان على يقين بما يدعو إليه وما فيه من ضخامة المسؤولية .
( 2 ) قال الرسول ( ص ) عن الله : قُلْ إِنَّ الَّذينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 69 ) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّديدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ( سورة يونس ، آية : 69 - 70 ) . تدل هذه الحكمة على أن الرسول كان يعرف بكل تأكيد أن الكذب على الله ظلم عظيم وخطيئة كبيرة جزاؤها عذاب أليم .