طهارة النفس ونقاءها لا تجتمع مع الكذب والخيانة في أمور بسيطة فكيف بالخيانة العظمى المتمثلة في دعوى الرسالة كذبًا ، إن هذه الرسالة التي يدَّعيها إنما هي من الله إلى البشر جميعًا .
هذا من ناحية شخصية الرسول التي تدل على صدق رسالته ، وهو :
1 - رجل واحد يتحدى التاريخ كله والبشر كلهم ، ويبعث الإنسان بعثًا جديدًا في تصوره وسلوكه وأخلاقه ، ويكوِّن شخصيات نموذجية لا مثيل لها « 1 » .
إن هذا لم يقع ولن يقع لغير الرسول الصادق المؤيَّد بالغيب ، حيث لم يشهد التاريخ إنسانًا استطاع توحيد القبائل المتناحرة في وحدة تجعلهم كأنهم بنيان مرصوص ، ثم قام ببعثهم إلى العالم حاملين رسالة العدل والحق والسلام إلى كل إنسان في الأرض .
2 - إنسان أمي لم يتعلَّم عند أي فرد ولم يدرس الكتب ولا خط بيديه شيئًا . هذا الإنسان ينقلب - بعد البعثة مباشرة - إلى بحر زاخر من المعارف التي عجزت البشرية عن سبر غورها حتى يوم الناس هذا . هل يكون ذلك إلَّا رسولًا صادقًا ؟ .
3 - ودليل آخر نلمسه في انقطاعه المديد إلى الله سبحانه ، وعبادته التي لم يكن لها مثيل ، والتزامه قبل كل أحد بشريعته التي أنزلت عليه ، بل إيجابه على نفسه من فروضها أكثر من أمته كصلاة الليل والتهجد بها ؛ وإن في ذلك دليلًا قويًّا على صدق دعوته ، ولم يكن ليقول ما يقول إلَّا باعتقاد جازم وقناعة شخصية تامة ، ذلك مهما استطاع المرء أن يخدع الناس فإنه لا يتمكن من أن يخدع نفسه خداعًا يحملها على الأعمال الصعبة دون عقيدة راسخة وإخلاص تام .
قال الله سبحانه :
- وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ « 2 » .
- قُلْ لَوْ شاءَ اللّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ « 3 » .
هامش
( 1 ) وإلى هذا الدليل ترجع الكلمة الشهيرة التي تقول : إن علي بن أبي طالب ( ع ) من معاجز الرسول . والواقع أن بناء شخصية مثالية كعلي ( ع ) لدليل واضح على صدق رسالة النبي محمد ( ص ) .
( 2 ) سورة العنكبوت ، آية : 48 .
( 3 ) سورة يونس ، آية : 16 . في هذه الآية تصريح بأن النبي ( ص ) كان أميًّا ، ومن الواضح أنه إن لم يكن كذلك لكذَّبه أعداؤه الذين لم يفتروا يراقبون جميع حركاته لعلهم يجدون مهمزًا يشنون من خلاله حملات دعائية ضده ، فلو لم يكن أميًّا بالفعل لم يكن يُصرِّح بذلك ليُعطي مادة نقد دسمة بيد أعدائه وهم قد عاشروه خلال أربعين سنة .