إنها شاهدة بذاتها على أنها الحق الواضح . ذلك أن محمدًا ( ص ) صادق وأمين ، والصادق يصدق في كل أمر كما أن الأمين أمين مع كل أحد . وليس بصادق من يصدق مرة ويكذب مرة ، وليس بأمين من وفى مرة وخان أخرى ، وحيث نُعِتَ الرسول بالأمانة والصدق فلابد أن المجتمع كان قد رأى فيه تجسيدًا لهذه من الصفات الحسنة ، فكيف يكون كاذبًا في هذا الأمر الذي هو أهم الأمور جميعًا ؟ ! .
ولقد كان أهل مكة يأتمنون النبي محمدًا ( ص ) على أموالهم حتى بعدما كفروا برسالته . فبعد أن اضطروه إلى الهجرة إلى المدينة كانت لديه أمانات أمر وصيه الإمام عليًّا ( ع ) بردِّها لأصحابها .
ولقد كانت قريش أعدى أعدائه وكانت تعترف له بصفة الأمانة . فهذا النضر بن الحارث ، وقد كان من سادة قريش وأكبر المعارضين للنبي ( ص ) وكان يعد من المحنكين في مكة ، ألقى يومًا خطابًا في جمع من الكفار وقال : «
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ! إنّهُ وَالله قَدْ نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ مَا أَتَيْتُمْ لَهُ بِحِيْلَةٍ بَعْدُ ، كَانَ مُحَمّدٌ فِيْكُمْ غُلَامًا حَدَثًا ، أَرْضَاكُمْ خُلْقًا وَأَصْدَقَكُمْ حَدِيْثًا وَأَعْظَمَكُمْ أَمَانَةً ، حَتّىَ إِذَا رَأَيْتُمْ فِيْ صِدْغَيْهِ الْشّيْبَ وَجَاءَ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ قُلْتُمْ : سَاحِرٌ . لَا وَالله مَا هُوَ بِسَاحِرٍ ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْسّحَرَةَ وَنَفْثَهُمْ وَعَقْدَهُمْ .
وَقُلْتُمْ : كَاهِنٌ . لَا وَالله مَا هُوَ بِكَاهِنٍ ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْكَهَنَةَ وَتَخَالُجَهم وَسَمِعْنَا سَجَعَهُم .
وَقُلْتُمْ : شَاعِرٌ ، لَا وَالله مَا هُوَ بِشَاعِرٍ ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْشِعْرَ وَسَمِعْنَا أَصْنَافَهُ كُلّهَا هَزَجَهُ وَرَجَزَهُ .
وَقُلْتُمْ : مَجْنُوْنٌ ، لَا وَالله مَا هُوَ بِمَجْنُوْنٍ ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُوْنَ فَمَا هُوَ بِخَنْقِهِ وَلَا وَسْوَسَتِهِ وَلَا تَخْلِيْطِهِ . يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ! فَانْظُرُوْا فِيْ شَأْنِكُمْ فَإِنّهُ وَالله لَقَدْ نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ عَظِيْمٌ » « 1 » .
ولم يدَّع أحد من قريش على النبي محمد ( ص ) الكذب والخيانة إلَّا وهو متردد بالرغم من أنهم قالوا فيه أعظم من ذلك وأكبر ، وكان السبب لتحرُّزهم من اتِّهامه بالكذب أو الخيانة أنها كانت تهمة لا تنسجم أبدًا مع المشهور من حياة النبي قبل الرسالة .
فلنسمع إلى حوار جرى بين هرقل « 2 » ملك الروم وبعض كفار قريش - بعدما تسلَّم هرقل رسالة من النبي ( ص ) يدعوه فيها إلى الإسلام - ، فسأل عمَّن يعرفه من أهل وطنه
هامش
( 1 ) سيرة بن هشام ، ج 1 ، ص 319 .
( 2 ) راجع بحارالأنوار : ج 20 ، ص 378 .