تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
« يَا هَذَا ! أَرَبُّكَ أَنْظَرُ « 1 » لِخَلْقِهِ أَمْ خَلْقُهُ لِأَنْفُسِهِمْ ؟ . فَقَالَ الشَّامِيُّ : بَلْ رَبِّي أَنْظَرُ لِخَلْقِهِ ! . قَالَ : فَفَعَلَ بِنَظَرِهِ لَهُمْ مَاذَا ؟ قَالَ : أَقَامَ لَهُمْ حُجَّةً وَدَلِيلًا كَيْلَا يَتَشَتَّتُوا أَوْ يَخْتَلِفُوا ، يَتَأَلَّفُهُمْ وَيُقِيمُ أَوَدَهُمْ ، وَيُخْبِرُهُمْ بِفَرْضِ رَبِّهِم . . » « 2 » . وَجَاءَ فِي عِلَلِ الْفَضْلِ عَنِ الرِّضَا ( ع ) : « فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لِمَ أَمَرَ اللهُ الخَلْقَ بِالْإِقْرَارِ بِالله وَبِرُسُلِهِ وَحُجَجِهِ وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ الله عَزَّ وَجَلَّ ؟ . قِيلَ : لِعِلَلٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا أَنَّ مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَجْتَنِبْ مَعَاصِيَهُ وَلَمْ يَنْتَهِ عَنِ ارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ وَلَمْ يُرَاقِبْ أَحَدًا فِيمَا يَشْتَهِي وَيَسْتَلِذُّ مِنَ الْفَسَادِ وَالظُّلْمِ ، فَإِذَا فَعَلَ النَّاسُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَارْتَكَبَ كُلُّ إِنْسَانٍ مَا يَشْتَهِي وَيَهْوَاهُ مِنْ غَيْرِ مُرَاقَبَةٍ لِأَحَدٍ ؛ كَانَ فِي ذَلِكَ فَسَادُ الخَلْقِ أَجْمَعِينَ وَوُثُوبُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَغَصَبُوا الْفُرُوجَ وَالْأَمْوَالَ ، وَأَبَاحُوا الدِّمَاءَ وَالنِّسَاءَ ، وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ حَقٍّ وَلَا جُرْمٍ ، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ خَرَابُ الدُّنْيَا وَهَلَاكُ الخَلْقِ وَفَسَادُ الحَرْثِ وَالنَّسْلِ . وَمِنْهَا : أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَكِيمٌ . وَلَا يَكُونُ الحَكِيمُ وَلَا يُوصَفُ بِالْحِكْمَةِ إِلَّا الَّذِي يَحْظُرُ الْفَسَادَ ، وَيَأْمُرُ بِالصَّلَاحِ ، وَيَزْجُرُ عَنِ الظُّلْمِ ، وَيَنْهَى عَنِ الْفَوَاحِشِ . وَلَا يَكُونُ حَظْرُ الْفَسَادِ وَالْأَمْرُ بِالصَّلَاحِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْفَوَاحِشِ إِلَّا بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالله عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَعْرِفَةِ الْآمِرِ وَالنَّاهِي . فَلَوْ تُرِكَ النَّاسُ بِغَيْرِ إِقْرَارٍ بِالله وَلَا مَعْرِفَتِهِ لَمْ يَثْبُتْ أَمْرٌ بِصَلَاحٍ ، وَلَا نَهْيٌ عَنْ فَسَادٍ إِذْ لَا آمِرَ وَلَا نَاهِيَ . وَمِنْهَا : أَنَّا وَجَدْنَا الخَلْقَ قَدْ يُفْسِدُونَ بِأُمُورٍ بَاطِنِيَّةٍ مَسْتُورَةٍ عَنِ الخَلْقِ ؛ فَلَوْلَا الْإِقْرَارُ بِالله عَزَّ وَجَلَّ وَخَشْيَتُهُ بِالْغَيْبِ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ - إِذَا خَلَا بِشَهْوَتِهِ وَإِرَادَتِهِ - يُرَاقِبُ أَحَدًا فِي تَرْكِ مَعْصِيَةٍ ، وَانْتِهَاكِ حُرْمَةٍ ، وَارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ مَسْتُورًا عَنِ الخَلْقِ ، غَيْرَ مُرَاقَبٍ لِأَحَدٍ ، وَكَانَ يَكُونُ فِي ذَلِكَ هَلَاكُ الخَلْقِ أَجْمَعِينَ ؛ فَلَمْ يَكُنْ قِوَامُ الخَلْقِ وَصَلَاحُهُمْ إِلَّا بِالْإِقْرَارِ مِنْهُمْ بِعَلِيمٍ خَبِيرٍ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ، آمِرٍ بِالصَّلَاحِ ، نَاهٍ عَنِ الْفَسَادِ ، وَلَا تَخْفَى
هامش
( 1 ) أَنْظَرُ : أصوب نظرًا . ( 2 ) الأصول من الكافي : ج 1 ، ص 171 .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 207 | السيد محمد تقي المدرسي