ألف : أن يحيط علمًا بكل ما في الحياة من خير وشر ، وبمعرفة مدى تأثير أعمال الفرد في إسعاده أو إشقائه ليس في الدنيا فقط بل وفي الآخرة أيضًا . ولم يأت إلى الحياة فرد أو طائفة ادَّعو هذا العلم .
باء : أن يتجرد عن كل هوى حتى لا يُفضِّل مصلحته أو مصلحة طبقته على المصالح العامة . وهذا لا يمكن أن يتحقق لأي بشر ؛ إذ إن أفضلهم لا يخلو من التأثر بميوله وشهواته كما نشاهد ذلك في بني الإنسان جميعًا ويجده كل منا في نفسه ، فما أن تعرض قضية ترتبط بمصلحة البشر حتى تختلف الأفكار فيها بسبب اختلاف المصالح .
جيم : أن تكون له إرادة قوية تُعطيه الاستقامة التامة في سبيل تطبيق الحق الذي يحمله إلى الناس ، ذلك لأنهم لا يفقهون أن في مصلحتهم تطبيق الحق فيثورون ضد الحق وضد كل من يدعو إليه ، فلابد أن يكون للمبشر بالنظام الحق من الاستقامة ما يقابل هذه المقاومة ويزيد . ومن الواضح أن هذه الاستقامة لا توجد إلَّا عند من يُؤيَّد من لدن الله ؛ ذلك لأن الفرد مهما كان نافذ العزيمة قوي الإيمان فإنه ينهار عند اختلاف النكبات عليه .
لهذه الأسباب الثلاثة لم تتمكن البشرية من وضع نظام صالح كامل عبر آلاف السنين ، أي منذ أن سن حمورابي نظمه وحتى القوانين الغربية والشرقية الأخيرة ، رغم كل المحاولات المبذولة في هذا السبيل .
وبما أن البشر عاجز عن وضع هذا النظام وهذا النظام ، ضرورة لسعادة الإنسان وقد خلق الله البشر ليسعدوا ، كان على الله سبحانه أن يضع لهم نظام الحياة ويبعث ذلك على يد من يتحمل مسؤولية ذلك . ومن الواضح أن الله سبحانه لا يتأثر بالمصلحة ولا بالجهل ولا يبعث من يعجز عن تحمل مسؤولية الرسالة ، بل لا يكون المبعوث إلَّا معصومًا « 1 » .
قال الله سبحانه : إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللّهُ « 2 » .
وفي حوارٍ جرى بين هشام بن الحكم تلميذ الإمام الصادق ( ع ) ورجل شامي ( ماديّ ) ، قال له هشام :
هامش
( 1 ) قال الله سبحانه : إِلّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا . سورة الجن ، آية : 27 .
( 2 ) سورة النساء ، آية : 105 .