له . أما إذا نزلت الرسالة على شكل ألواح بين الناس فمن المؤكد إلَّا يفيد شيئًا ، كيف وقد جاء الرسل بالرسالة فلم يُؤمن الناس بهم إلَّا قليل .
بماذا يعرف الرسول ؟
هناك عدة وسائل يعرف الناس بها الرسول ، ونحن إذ نشير إليها لا يُمكننا أن ندَّعي أنها كل الطرق الممكنة إلى معرفة الرسول ، بل لعله توجد وسائل أخرى إلى هذه المعرفة .
1 - الرسالة :
لقد سبق آنفًا أن هناك عدة أسباب تدعو إلى الرسالة والتي لا يُفلح البشر من دونها ، وعرفنا بها أن الرسالة واجبة ، كما عرفنا أنها هي الغاية من بعث الرسول . ومن هنا نعرف أنه لابد لكل رسالة من الإحاطة بحاجات الناس ووفائها بها ؛ إذ إن أي رسالة لا تفي بهذه الحاجات لا يمكن أن تكون من عند الله . إذ إن الله ليس بعاجز عن توفير كل ما يحتاج إليه الإنسان ، ورحمته لا تضيق عن ذلك ، فعدم توفرها في رسالة دليل على عدم صحتها ، كما أن توفرها من حيث المجموع دليل على أن الرسالة من عند الله سبحانه ؛ لأنه لم يأت من البشر أحد ادَّعى أنه جاء إليهم بكل هذه الحقائق التي يحتاج الإنسان إليها « 1 » ، ولأنه لا يمكن لبشر عادي أن يأتي من عند نفسه بكل ذلك .
2 - الرسول :
إن شخصية الرسول وما لها من صفات حميدة ، حجة أخرى على صدق رسالته . فإذا عُرِفَ بالطهارة من كل دنس والتعالي عن كل رذيلة ، لا يستهويه عن الحق منصب ولا يستدرجه إلى الباطل مأثم ، رأيناه يدَّعي أنه رسول من عند الله عالمًا بأن ادِّعاءه هذه المرتبة
هامش
( 1 ) والسبب المعقول لذلك أن أحد الوجوه التي ذكرناها لضرورة الرسالة هو التذكير بالله سبحانه ، وما التذكير بالحق ، ولا يُذكِّر بالله إلَّا من يعتقد به ويُديم ذكره ، كما لا يُذكِّر بالحق إلَّا من يعمل به ، وغير الأنبياء لا يريدون أن يلزموا أنفسهم بالحجة إذ ما أن يُذكِّروهم بها حتى يُطالبهم الناس بالعمل بما يقولون ؛ ولهذا فإن أحدًا منهم لم يدَّعِ ذلك . فالفلاسفة لم يقولوا : إنهم جاؤوا من قبل الله وإن كُلًّا منهم يُصدِّق من سبقه ويُصدِّقه من لحقه ، ولا إنهم جاؤوا مبشرين ومنذرين . والمصلحون سواء السياسي منهم أو الاجتماعي أو الاقتصادي لم يدَّعوا أن إصلاحهم شامل لجميع مناحي الحياة الفكرية والعملية في دار الدنيا وفي الآخرة ، بل كانوا بين منكر للحشر والمعاد وبين من حصر إصلاحه على ناحية واحدة من الحياة ، ثم إن أحدًا منهم لم يدَّع أنه جاء من عند الله تعالى . وقد سبق أنه يجب أن يكون النبي من عند الله . ولقد أوضحنا ذلك عند بيان الحاجة إلى الرسالة وكيف أن البشر عاجز بذاته عن تحقيقها .