سرعان ما يرجع إليها مرة أخرى إذا واجه الظروف نفسها التي واجهها أول مرة . والإيمان يزيد من قوة العقل ويبعثه إلى فعل الخيرات ؛ ذلك لأنه يجعل صاحبه بين أيدي الله العليم القدير الذي بيده أمره وإليه مصيره ، ذلك الله الذي أعد للمحسن ثوابًا عظيمًا وللعاصي عقابًا أليمًا . فالمؤمن يجد نفسه أمام سلطان الله الدائم فتذل نفسه ويضعف هواها فلا يستطيع أن يردعه الهوى عن الخير . والمؤمن يشعر كأنه مُنعَّم في الجنة وكأنه مُعذَّب في النار ( من شدة يقينه بالمستقبل وتطلُّعه لحياة الخلود ) فتزيد رهبته ورغبته شدةً وعمقًا وتجعلانه نشطًا سبّاقًا إلى الخيرات مهما كانت صعبة ، وحذرًا من السيئات مهما كانت صغيرة « 1 » .
جاء في القرآن . . الَّذينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ وَاْلأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ ( 191 ) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظّالِمينَ مِنْ أَنْصارٍ « 2 » . هكذا يكون الإيمان نبعًا لا ينضب لفعل الخيرات ! .
التحلي بالفضائل :
ما هي الرذيلة ؟ . ما هي صفة الكبر ، والغرور ، والبخل ؟ .
لدى التحليل تبيَّن أنه إذا التهب حب الذات في زاوية من الزوايا سبَّب صفة نفسية رذيلة ؛ فمثلًا : إذا التهب حب الذات في زاوية الدفاع عن الذات حدثت صفة الكبر التي لا تعدو أن تكون مغالاة في تقييم الإنسان لنفسه ، والحرص لا يعدو أن يكون زيادة في حفظ الذات ، والبخل إفراط في الإحساس بالخوف من الحوادث وهكذا . ومن هنا فالذي يتغلَّب على هوى نفسه بقوة عقله ، فإنه سوف يقضي على الرذيلة قضاءً باتًّا .
والنفس المؤمنة تُميت الهوى وتجعله تابعًا لإرادتها فتقضي على الرذيلة . أضف إلى ذلك أن النفس التي تشعر بعظمة الله لا يمكن أن تتكبر ، وأن النفس التي تعلم أن لا حول لها ولا قوة إلَّا بالله لا يمكن أن تغتر ، والنفس التي تعلم أن الله يملك الخير والشر كله ، لا يمكن أن تحسد الآخرين وتحقد عليهم .
ومن جهة أخرى النفس المؤمنة بالله الجميل الجليل ، لا تملك إلَّا أن تكنَّ حبًّا عميقًا
هامش
( 1 ) يقول الإمام علي ( ع ) في صفة المتقين : « . . فَهُمْ وَالجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا ، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا ، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ » ( نهج البلاغة : الخطبة 193 ) .
( 2 ) سورة آل عمران ، آية : 191 - 192 . هذه صفة المؤمنين الذين لا ينفكون يشعرون بعظمة الله فيتعوذون به من النار المرة بعد الأخرى ، ويدفعهم ذلك إلى المزيد من العمل والمزيد من النشاط .