تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
علمنا محدود بالوقت والكمية ، ومثل هذا كل شيء في العالم . 2 - ليس لنا أن ندَّعي أن ما بنا من علم ووجود هو من معطيات ذواتنا الأولية ، وأن ذواتنا هي الوجود والعلم ، إذ لو كنا نملك بذاتنا أن نُوجد أنفسنا إذًا لأوجدناها كبيرةً قديرةً كما نُحب ، باقيةً خالدةً كما نأمل ، كذلك لو كنا نملك العلم بذاتنا إذًا لأعطينا أنفسنا علم كل شيء وبالتالي ما نسينا شيئًا أبدًا . 3 - فإذا لم تكن ذاتنا بالعلم والوجود كما هي الحقيقة ، فلا بد أن نهتدي إلى أنها من طبيعة العدم والجهل . فنعرف أن ما بها من وجود وعلم هو من مصدر كامل الوجود وتام العلم ، ذلك الذي لا نقص فيه ولا ضعف ولا عجز ، وذلك الذي لا جهل معه ولا نضوب له ، وأن مالك الوجود الذي يُعطينا منه قدرًا مقدورًا ومالك العلم الذي يفيض علينا منه قبسًا محدودًا ، أنه لا يمكن أن يُحدَّد وجوده بعجز أو فقر أو ضعف ، ولا يجوز أن يُقدَّر علمه بنوع دون آخر وبكيف دون كيف أو بشيء دون شيء ، وإلَّا لكان مثلنا مخلوقًا مملوكًا ، ويكون ذاته عدمًا وجهلًا كما هي ذاتنا . 4 - إن هذه الحقائق تهدينا إلى أن ما في الآفاق وما في أنفسنا من آيات الكمال والجمال دالةٌ على ما لواهبها من كمال ذاتي لا محدود وجمال تام لا متناهٍ ، وأنها بما فيها من معالم الضعف والنقص دالةٌ على تعالي خالقها منها وتساميه عنها ، وبهذا نهتدي إلى ما لله من أسماء حسنى وما هو منزَّه عنه من صفات المخلوقين . قال الله تعالى : هُوَ اللّهُ الَّذي لا إِلهَ إِلّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ ( 22 ) هُوَ اللّهُ الَّذي لا إِلهَ إِلّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ ( 23 ) هُوَ اللّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ اْلأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَاْلأَرْضِ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ « 1 » . وَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ ( ع ) : « الحَمْدُ لله الَّذِي لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ كَوَّنَ مَا قَدْ كَانَ ، المُسْتَشْهِدِ بِحُدُوثِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ ، وَبِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ ، وَبِمَا اضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْهُ مَكَانٌ فَيُدْرَكَ بِأَيْنِيَّةٍ ، وَلَا لَهُ شَبَحُ مِثَالٍ فَيُوصَفَ بِكَيْفِيَّةٍ . . » « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الحشر ، آية : 22 - 24 . ( 2 ) بحار الأنوار ج 4 ، ص 221 .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 155 | السيد محمد تقي المدرسي