التوحيد :
1 - قالت المجوس : إن للكون إلهين اثنين أحدهما للخير والثاني للشر ، ويسمون إله الخير بإله النور ، وإله الشر بإله الظلمة . والذي أضلَّهم هذا الضلال المبين هو جهلهم بطبيعة الشر وسبب وجوده في الحياة ، فزعموا أنه لا يمكن أن يكون خالق النور هو خالق الظلمة ، وربّ الخير هو رب الشر . ولقد أضلهم هذا الجهل إلى أن الإلهين لابد أن يكونا في صراع دائم يُمثِّله في الخارج جنود الخير والشر ، والنور والظلمة . ومن هنا فهم قائلون بتعدد الآلهة ليكون أحدهما ممثلًا للخير وخالقًا له ، والثاني ممثلًا للشر وخالقا له . ولابد عندهم من أن يكون النزاع دائمًا بين الإلهين ، والَّا فقد التعدد معناه .
ومن هنا فإنهم يزعمون أن كلًّا من إله الخير وإله الشر عاجزان عن التغلُّب على الآخر . فإن أثبتنا - كما سيأتي - أن الله الخالق لا يمكن أن يكون عاجزًا عرفنا أن الله أحد وهو إله الخير والشر ، وجاعل النور والظلام ، وأنه لا يمكن أن يكون هناك إله آخر ليس لله تعالى طرده والانتصار عليه .
2 - إن الفلسفة الإغريقية ، وروحها السارية في اليهودية والنصرانية ، ادَّعت تعدُّد الآلهة بسبب زعمهم أن الله قد أولد الأشياء ، فأضلهم جهلهم بطبيعة الخلق ، وزعموا أن طبيعة الخلق إنما هي ولادة شيء عن الله سبحانه وصدوره عنه كما تفيض العيون بالماء .
فإذا ثبت لدينا أن خلق الله إنما هو بنحو الإبداع يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 1 » ، لأن قدرته ذاتية ، وعرفنا أنه إذا حُدِّدَ الذاتي انقلب إلى أمر عرضي ، إذ معنى ذاتية القدرة أن الذاتي لا يمكن أن يكون عاجزًا بل إنه كواقع العلم الذي لا يمكن أن ينقلب إلى الجهل ، بل العلم علم بالذات . أقول : إذا ثبت لدينا هذا ثبتت سخافة الفلسفة الإغريقية وتابعتها اليهودية والنصرانية في هذا المجال ، وانهار بناء القول بتعدُّد الآلهة ، بناء الزردشتية الشرقية والإغريقية الغربية .
هذه بعض النقاط التمهيدية . أما تفصيل الأدلة على التوحيد ، فهي :
1 - لكل اثنين ثالث ولكل ثلاثة رابع ، والسبب أنه لابد لكل اثنين من عنصرين أحدهما يُميِّزه عن الآخر والثاني يحقق وجوده ، فزيد وعمر يشتركان بعنصر الرجولة
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية : 117 .