قليل من الناس يستطيع أن يقول ماذا سيصبح في المستقبل ، بل ماذا يكسب غدًا ومتى يموت . ولو تدبَّرتَ قليلًا لوجدتَ أن صدفًا ما غيَّرت مسيرة حياتك ، وحوادث ما جعلتك تُغيِّر أفكارك ، بل إنك في لحظات اضطررت أن تختار طريقًا مختلفًا عن آمالك ، بل اخترته بصورة فجائية لم تسبقك إليه بادرة أبدًا . ولقد عبَّرت عن هذه الحقيقة آية شريفة تعبيرًا لطيفًا ، فقالت : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ « 1 » .
وإنك تعلم كثيرًا ، ولكنك لا تختار بالضبط متى تعلم وكيف تعلم . وبالرغم من أن هناك أسبابًا معينة للتعلّم فإن يدًا غيبية تُنظِّم التعليم وتُوجِّهه . وأكبر العلماء وأقدرهم يرى نفسه - حسب اعترافات فريق عظيم منهم - تلميذًا متواضعًا للغيب يفتح له أبواب العلم بقدر معلوم .
ولم تتم الاكتشافات العظيمة إلَّا في حالات تشبه الغيبوبة والتنبُّه الخاطف . ونعلم أشياء ثم ننساها وصدفةً نتذكرها ، وحين نتدبر لحظات نرى أن هناك مصالح عامة عملت في ذهولنا . . ولا نعلم أشياء ، وصدفةً نعرفها ويكون ذلك في صالحنا ونسميه الحاسة السادسة . هكذا يتقلَّب البشر بين أصابع الله سبحانه . فإذا به يجد ذاته مدبَّرًا محدود الاختيار . قال الله سبحانه : إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي اْلأَرْحامِ وَما تَدْري نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْري نَفْسٌ بِأَيِ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللّهَ عَليمٌ خَبيرٌ « 2 » .
وقال الإمام أمير المؤمنين ( ع ) في جواب سؤال وُجِّه إليه : « بِمَا عَرَفْتَ رَبَّكَ ؟ . قَالَ ( ع ) :
بِفَسْخِ الْعَزْمِ وَنَقْضِ الْهِمَم
» « 3 » .
طاء : وفي حالات عديدة يرتبط وجداننا بقوة غيبية فنسأل صاحبها ( باسم أو بآخر ) ونتضرَّع إليه بقلوبنا ، فنجدها ذات أثر فعَّال في توجيه حياتنا نحو الأفضل ، ونجد الحياة المستصعبة تيسَّرت ، حتى نخال أن القدرة كانت من ذواتنا بصورة أصيلة . وعندما تهجم علينا المصائب تتوسل قلوبنا بقوة غيبية قاهرة لا نعلم أين هي وكيف هي ، بل لا نعرف عنها إلَّا أنها قادرة على إنقاذنا . وقد تصفو النفس إلى درجة تحسب أنها ترى الله ، بل هو أشد من الرؤية وضوحًا آنذاك ، ولو يتذكَّر الإنسان تلك اللحظات لعرف أن الله لا ريب فيه ،
هامش
( 1 ) سورة الأنفال ، آية : 24 .
( 2 ) سورة لقمان ، آية : 34 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 3 ، ص 42 .