أَ وَلَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَاْلأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما « 1 » ، وهل هي بحاجة إلى أكثر من لفتة نظر ، حتى نعرف أن هناك من نحتار في كنهه ولا نعرف إلَّا أنه شيء فوق الأشياء ، شيء لا يشبه الأشياء ، وهو قادر عليم ، وهو الذي أبدع الكون إبداعًا .
دال : يقولون : هي الصدفة التي نسَّقت علاقة الأشياء ببعضها . فصدفة وبدون أية حكمة أو تدبير كانت حركة كوكبنا ( الأرض ) حول الشمس منضبطة تمام الانضباط ، بحيث لا يمكن أن يحدث أدنى تغيُّر في سرعة دورانها حتى بعد مرور قرن من الزمان . وصدفة كان نظام القمر الذي يتبع في حركته الأرض يدور في فلك مقرر ومنضبط مع تفاوت يسير يتكرر بدقة فائقة .
هل هي صدفة ؟ .
نحن لا نفقه من لفظة الحكمة إلَّا النظام الدقيق ، فهل هم يفهمون منها ما يُرادف كلمة الصدفة . إن الفضاء الكوني فسيح جدًّا تتحرك فيه كواكب لا حصر لها « 2 » ، بحيث لو أُوتيتَ - فرضًا - أجنحة من نور وسارت بك ألف مليون سنة في سرعة الضوء لما قدرتَ أن تحيط بالكون ؛ لأنه في توسُّع مستمر يسبق أجنحتك الخيالية السرعة .
إن دقة التنسيق وروعته تبهران الإنسان وهو يتدبر في آفاق السماوات التي تهتف به أنها تُدَبَّر من لدن حكيم عليم .
هاء : إن شواهد العمد والتصميم السابق متوافرة في كل حركة في الكون . فبالرغم من وجود سنن كونية تجري عبرها الكواكب والمنظومات ، فإنها ليست كآلة ميكانيكية ، بل إنما هي كسيارة في عراء قد استوى عليها صاحبها وسيَّرها بقدرةٍ وخبرةٍ بالغةٍ .
فالآلة الميكانيكية تفترق عن السيارة في أنها ذات محدودية ضيِّقة ، وبرغم تحرُّكها فهي لا تتطور ولا تتوسع . وإن الكون يجري لمستقر معلوم ، له بداية وله توسُّع وتناقص وله نهاية . ومن هنا فليست المجرات - وهي تتغير وتتطور - كالساعة الأوتوماتيكية التي صُنعت ثم جُعلت تتحرَّك بذاتها ، بل هي كالساعة وهي تُصنع وتُكمل لحظة بعد لحظة ؛ لأنها في صنع وتقدير مستمرين . فمثلًا : مجرات الكون تسير حينًا باتجاه بعضها ولكنها لا
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء ، آية : 30 .
( 2 ) أقوى تلسكوب في العالم يستقر في ( ماونت بالومار ) في الولايات المتحدة ، ويشاهد بلايين النجوم .