وفي تفسير قوله : فِطْرَتَ اللّهِ الَّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها قَالَ ( الإمَامُ الصَّادِقُ ( ع ) ) : «
فَطَرَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ
» « 1 » .
إن هذه الحقيقة لتهدينا إلى عدة حقائق :
ألف : إن البشر لا يحتاج لمعرفة الله إلى أكثر من التوجيه والتذكير .
باء : إن ما قاله الماديون في تفسير توجه الناس إلى الدين ورغبتهم الملحة إلى معرفة الله : إن ذلك من ضعفهم وجهلهم عن التفسير الصحيح للحوادث ؛ إنما هي ضلالة بعيدة ، إذ لو لم تكن لديهم فطرة أولية تهديهم إلى الله لما أظهروا ضعفهم بهذا الشكل .
جيم : إنما السبب في توجُّه الناس إلى الله وترك ما كانوا يعبدون من الشركاء ، وذلك حين تمسهم الضراء والبأساء ، إنما السبب في ذلك وجود معرفة فطرية لديهم بالله ، إذ تنقشع عن أنفسهم آنئذٍ حجب الغفلة والمصلحة ويتوجهون إلى الله .
دور الأنبياء في المعرفة :
بما أن الإنسان مفطور على المعرفة في عالم سابق على هذا العالم ، ولم يحدث له إلَّا النسيان والغفلة عن تلك المعرفة والاحتجاب عنها باتِّباع الشهوات ، فإنه لا يحتاج الآن إلَّا أن يُلفَت نظره إلى ما غفل عنه من المعرفة بعد أن ترفع عن وجهه غشاوة الحجب . ولم يكن من الممكن عودة الإنسان اللاصق بالأرض بمباهجها ومشاكلها وأمانيها البعيدة إلَّا برسول مبعوث من الله ؛ إذ إن هذه العودة تستوجب تناسي الإنسان لعالمه المادي القريب وتطلُّعه إلى الآفاق البعيدة حيث الغيب الذي يُدبِّر أمور الحياة ، وذلك أمر مستصعب لا يلائم طبيعة الإنسان ، ولهذا بالذات بُعث الأنبياء ( عليهم السلام ) ؛ فقد جاؤوا لكي يُنذروا البشر عن التمادي في الغفلة عن معرفة الله تعالى ، ويذكروهم بربهم الذي أنعم عليهم بنعم لا تحصى .
ولقد كانت هذه سنة الأنبياء ( عليهم السلام ) . فهذا القرآن تذكرة بالله ، فليس في القرآن سورة ، بل ولا آية ، إلَّا وتُذكِّر بالله بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، ورفع حجب الغفلة من
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 3 ، ص 277 . هناك مجموعة ضخمة من الشواهد العلمية الحقيقية والأدلة الفلسفية تؤكد الحقيقة إلَّا أن المجال لا يسع لذكرها ؛ لأننا لسنا الآن في معرض بيان هذه الحقيقة ، بل إنما نريد هنا عرض الفكرة الإسلامية عن التوحيد وتفسير عدة ظواهر وجدانية عنها .