حتى أن العلم بوجود واقع العلم لا يعني أننا نثبت للعلم وجودًا كما نثبت للمعلوم وجودًا . ذلك لأنه ليس لنا طريق إلى إثبات وجود للعلم ، بل كل ما يعني ذلك أننا نخرج العلم عن إطار العدم وننكر أن يكون معدومًا .
فالمعرفة التي يمكننا تحصيلها في هذا المجال هي التي تجعلنا بين النفي والإثبات ، حيث ننفي العدم ، ولا يمكننا أن نشير إلى الوجود . صحيح أن إنكار العدم بذاته دليل الوجود ؛ إذ لا وسيط بينهما ، ولكن لا يمكننا الإثبات الصريح ؛ لأننا لم نؤتَ وسيلة إلى ذلك . وهكذا تكون المعرفة بالله ! .
حينما نرى السماوات والأرض وما بينهما من مخلوقات في غاية الدقة والنظام ، لا نملك إلَّا أن نعترف بأن موجدها وخالقها ليس عدمًا . ولكن هيهات لنا أن ندَّعي له وجودا إلَّا بقدر ( أن كل ما ليس بمعدوم فهو موجود ) . وهذا يختلف عن القول بثبوت الوجود له على غرار ( الوجود ) الذي نعهده في الأشياء سبحانه .
وحينما نرى في آيات الله آثار التدبير والتقدير نعلم أن بارئها يتعالى عن الجهل والضعف . وهل يعني هذا أننا عرفنا ( علم الله ) وأحطنا ( بقدرة الله ) ؟ . كلَّا ! . لا يعني هذا إلَّا نفي الجهل والضعف عنه ، وأن نقول : تعالى الله عما هو صفة المخلوقين . وما قولنا : إن الله قدير عليم إلَّا إشارة إلى نفي الضعف والجهل عنه ، لا أننا علمنا منه ( العلم والقدرة ) ؛ لأنه قد سبق أن عقولنا أعجز من أن تصل إلى مستوى الخالق . وإلى هذه الحقيقة تشير الأحاديث التالية :
* سأل سائل الإمام الصادق ( ع ) عن الله ؟ . فقال ( ع ) : «
هُوَ الرَّبُّ وَهُوَ المَعْبُودُ وَهُوَ اللهُ . وَلَيْسَ قَوْلِي ( اللهُ ) إِثْبَاتَ هَذِهِ الحُرُوفِ ( أَلِفٍ ، وَلَامٍ وَهَاءٍ ، وَلَا ، رَاءٍ ، وَلَا بَاءٍ ) وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى مَعْنًى وَشَيْءٍ خَالِقِ الْأَشْيَاءِ وَصَانِعِهَا وَنَعْتِ هَذِهِ الحُرُوفِ ، وَهُوَ المَعْنَى سُمِّيَ بِهِ اللهُ وَالرَّحْمَنُ وَالرَّحِيمُ وَالْعَزِيزُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ ، وَهُوَ المَعْبُودُ جَلَّ وَعَزَّ .
قَالَ لَهُ السَّائِلُ : فَإِنَّا لَمْ نَجِدْ مَوْهُومًا إِلَّا مَخْلُوقًا ؟ .
قَالَ أَبُو عَبْدِالله ( ع ) :
لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَ التَّوْحِيدُ عَنَّا مُرْتَفِعًا لِأَنَّا لَمْ نُكَلَّفْ غَيْرَ مَوْهُومٍ ، وَلَكِنَّا نَقُولُ : كُلُّ مَوْهُومٍ بِالحَوَاسِّ مُدْرَكٍ بِهِ تَحُدُّهُ الحَوَاسُّ وَتُمَثِّلُهُ فَهُوَ مَخْلُوقٌ . إِذْ كَانَ النَّفْيُ هُوَ الْإِبْطَالَ وَالْعَدَمَ ، وَالجِهَةُ الثَّانِيَةُ التَّشْبِيهُ إِذْ كَانَ التَّشْبِيهُ هُوَ صِفَةَ المَخْلُوقِ الظَّاهِرِ التَّرْكِيبِ وَالتَّأْلِيفِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ لِوُجُودِ المَصْنُوعِينَ وَالاضْطِرَارِ إِلَيْهِمْ . إنَّهُمْ
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 143
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٤٣