تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
المعرفة فطرة الإنسان : الإنسان جزء متفاعل مع العالم كله ، يرتبط معه في كل شيء ؛ في مواد جسمه وسنن حياته ومعارف عقله وشهوات قلبه . وأي محاولة لفصله عن طبيعته المتفاعلة المنسجمة مع الكون تكون فاشلة . والمعارف البشرية سعي متواضع لكشف بعض مناحي هذا التفاعل الواسع بين البشر والكون من حوله . والدين الحق تعبير صحيح عن الكون ؛ روحه وجسمه ، باطنه وظاهره . وفي الكون هذا الإنسان المتفاعل معه ، والكون خليقة الله العظمى ومظهر أسمائه الحسنى فهو أبرز شاهد وأكبر آية على الله تعالى . وبحكم تفاعل الإنسان مع هذا الكون ، وبحكم أن الكون شاهد على الله ؛ فهو مفطور على الدين ليس في عقله وروحه فقط بل في كل شيء منه ، فهو مرتبط بأكثر من خيط بأصله وطبيعته . وشعوره لا يعدو أن يكون مفطورًا على معرفة الله وحبه والإنابة إليه ، وهذا نوع من المعرفة الفطرية تأكدت بمعرفة أخرى عندما بدأ الله خلق الإنسان ، حيث أشهده على نفسه وعرّفه خلقه . وهنالك عرفنا ربنا معرفة تامة ، وعلق بأنفسنا ما يشبه الظل من تلك المعرفة ، ذلك الظل الذي يدفعنا أبدًا إلى البحث عن الله ، فتارة نهتدي إليه وتارة نضل عنه فنتخذ أندادًا من دون الله ونزعم بأنها هو الذي عرفناه سابقًا . ولولا هذه المعرفة الأولية التي تدغدغ ضمير كل بشر لما بحث الناس عن إله ، ولما ابتغوا إليه الوسيلة بشتى الأسباب . وهذه الفطرة تساعد الإنسان على معرفة الله الحق . فليس أمامه سوى أن ينبه به ويذكر إليه فإذا بشعاع المعرفة يغمر فؤاده ، إلَّا أن يجحد عنادًا وطغيانًا . . قال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلينَ « 1 » . وجاء في الحديث في تفسير هذه الآية : « قُلْتُ مُعَايَنَةً كَانَ هَذَا ؟ . قَالَ ( الإمَامُ الصَّادِقُ ( ع ) ) : نَعَمْ فَثَبَتَتِ المَعْرِفَةُ وَنَسُوا المَوْقِفَ وَسَيَذْكُرُونَهُ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مَنْ خَالِقُهُ وَرَازِقُهُ . . » « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، آية : 172 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 5 ، ص 237 .