والواقع أن البشر أثبت عمليًّا عجزه عن بلوغ المعرفة الخالصة لله سبحانه دون التنور بهدى الأنبياء ( عليهم السلام ) ؛ إذ إن تاريخ الإيمان بالله يرشدنا إلى أن الإنسان كان يتخبط ، حين ابتعد عن منهج الله تعالى ، في ظلمات الجهل والغفلة . فالناس كانوا بين من أنكر الله أو أثبته وأنكر صفاته الحسنى ، ومن أثبت له صفة العجز والذل - سبحانه - أو بالغ في إلصاق الصفات البشرية حتى زعم أنه مركَّب . ومن يطَّلع على ركام الجهالات البشرية هذه يعرف مدى الحاجة إلى الرجوع إلى الله في تعريفه لنفسه ، وذلك في كتابه الكريم الذي تجلَّى فيه لعباده لو أنهم كانوا يبصرون . قال الله تعالى : الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزيزِ الْحَميدِ ( 1 ) اللّهِ الَّذي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي اْلأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرينَ مِنْ عَذابٍ شَديدٍ « 1 » .
أنواع المعرفة :
وللإنسان في المعرفة أحوال ثلاثة : المعرفة التامة ، والجهل التام والمعرفة البسيطة .
1 - فقد تعرف مثلًا تفاصيل حدث كائن غدًا .
2 - وقد لا تعرف شيئًا من ذلك .
3 - وتارة تعرف أن شيئًا ما كائن غدًا ، ولكن لا تعرف كيف هو وأنَّى هو ؟ .
فهذه ثلاثة أحوال في المعرفة بصفة عامة ، أما حول الله فليس لنا معرفة الله تفصيلًا ولسنا عاجزين عن معرفته رأسًا ، وإن لنا بين ذلك سبيلًا وسطًا وهو أن نعرفه بآياته دون أن نُحيط علما بكنهه وذاته .
وإليك مثالًا نقدمه عن معرفة العلم ( تعالى الله عن الأمثال ) : حينما ترى آيات العلم ترى أنك تحيط ببعض الأشياء علمًا وأنت على يقين بأن علمك هذا شيء غيرك . عند ذلك تصدق بواقع العلم ، ولكن كيف عرفت العلم ؟ . أم كيف أحطت به ؟ . وبأي وسيلة ؟ . أبعلم أحطت به ، ولا يحيط الشيء بنفسه ؟ . أم بالجهل عرفت العلم ، وكيف يرشدك الجهل إلى العلم ؟ . وهل يكون الظلام رائد النور ؟ . لابد لك من أن تُصدِّق بوجود العلم وليس لك أمر فوق ذلك تصدق به ، لأنك لا تستطيع أن تُنكره بعد أن رأيت آياته الباهرات ، ولا تحيط به لأنك لا تملك وسيلة إلى ذلك .
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم ، آية : 1 - 2 .