تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
يهدينا إلى وجود سبب ما لهذا التبخر وإن كنا نجهله تمامًا . كيف انقلبت المادة الميتة إلى خلية حية ؟ . إننا حتى اللحظة نجهل السبب ، ولكن لا يعني هذا وقوع الأمر دون سبب . أم يعني أن القفزة تعتبر تطورًا أساسيًّا ؛ أي أن المادة تنقلب إلى حقيقة أخرى لها ميزات مختلفة عن الحقيقة السابقة ، فهذا أيضًا صحيح . فللبخار مثلًا خواص مختلفة عن الماء الذي يغلي ؛ إذ إن امتداد البخار كافٍ لرفعه عن الأرض وامتداد الماء المغلي يكفي لذلك . والماركسية استغلت هذا المبدأ بعد أن فسرته تفسيرًا بعيدًا عن العقل والعلم ، استغلته لإثبات بعض الأمور : 1 - أن قفزات التطور تكون بصورة ديالكتيكية نابعة من تناقضات داخلية في الشيء ! ولكن سبق أن مبدأ التناقض الداخلي في الفلسفة الديالكتيكية لا ينافي وجود أسباب خارجية ، بل إنه لا يعدو أن يكون تفسيرًا لحقيقة التسبب لا إغناء عن وجود سبب . كما أن تطور الماء إلى بخار لم يكن دون سبب خارجي وهي الحرارة التي سخنت الماء . 2 - أن الحركات الاجتماعية تحتوي على قفزات طبيعية صاعدة يتطور المجتمع خلالها من الاقطاع فالرأسمالية إلى الاشتراكية فالشيوعية ؛ لأن المجتمع محكوم بقوانين الطبيعة تمامًا ، بيد أنه سيُعلم ، لدى الحديث عن المجتمع ، سيُعلم - إن شاء الله - عقم هذه النظرية التي تُفسِّر المجتمع الإنساني بالتفسيرات المادية التي تحكمها قوانين الطبيعة العمياء . مضافًا إلى ذلك نقول : إن التطورات الاجتماعية لن تتحقق دون عوامل معينة ، وأن الإنسان أوتي قدرة التحكم على تلك العوامل بقدر ما يتمكَّن من التحكم بالأسباب الطبيعية . ثم إن التطورات الاجتماعية لن تكون صاعدة أبدًا ، بل قد تنتكس كما ينتكس خط الطبيعة . فالماء لا يتبدَّل إلى بخار دائمًا ، بل قد يتحوَّل البخار إلى مطر غزير . من هنا نعرف أن القواعد الأربعة للفلسفة الديالكتيكية لا تثبت أمام النقد الإيجابي إلَّا إذا فُسِّرت تفسيرات مناسبة .