الضغط وهو وجود المحرك . وليتنا كنا نطلع على الجامعات العلمية في البلاد التي تتبنى الفلسفة الديالكتيكية لنعرف عن كثب ما إذا كانت تكتفي بذكر نوعية التسبب أم تتجاوز ذلك إلى معرفة ( السبب ) . فحين تريد أن تدفع عجلة ألا تفكر في وسيلة لهذا الدفع أم تكتفي بمعرفة حقيقة الدفع . في الواقع ؛ لا نظن أن أحدًا يمكنه أن ينكر حاجة كل شيء إلى سبب ، أو يشك في أن مبدأ التناقض لا يُشبع هذه الحاجة بل يفسرها فقط .
وبعيدًا عن حقل الفلسفة يستغل بعض الأحزاب السياسية ، مبدأ التناقض لشن حملات دعائية مستمرة ضد وجود البارئ للخليقة ووجود قيم ثابتة للحياة .
والحقيقة أن هذه الحملات أعطت الفلسفة الديالكتيكية أبعادًا خطيرة ؛ لأنها زعزعت ثقة الإنسان بفكره وحضارته ومستقبله ، وجعلته طعمة سائغة لجوعة الشهوات الطائشة ، وخلقت له جوًّا متوترًا لا تهدأ ثائرته . ويذكرنا هذا الواقع بالوضع الخطير في نهاية أيام اليونان ؛ إذ سادت بينهم السفسطة والجدل واستغلت الفلسفة أبشع استغلال .
المبدأ الرابع :
ماذا تعني قفزات التطور بصورة دقيقة ؟ .
لمعرفة ذلك نرجع إلى نص ننقله عن ستالين يقول فيه : إن الديالكتيك خلافًا للميتافيزيقية لا تعتبر حركة التطور حركة نمو بسيطة لا تؤدي التغيرات الكمية فيها إلى تغيرات كيفية ، بل تعتبرها تطورًا ينتقل من تغيرات كمية ضئيلة وخفية إلى تغيرات ظاهرة وأساسية ، أي إلى تغيرات كيفية ، وهذه التغيرات الكيفية ليست تدريجية ، بل هي سريعة فجائية وتحدث بقفزات .
في ظلال هذا النص نتساءل : ما هو واقع المفاجأة ، هل معناها أننا لم نعرفها ، أو لم نتنبَّأ بها قبل وقوعها ، أو لم نفهم سببها قبل ذلك حسبما يركز عليه النص بكلمتي الظاهرة والأساسية ؟ . إذا كان هذا معنى المفاجأة اتفقنا ولم نختلف فيها ؛ إذ كثيرًا ما نرى أن الماء يغلي ويغلي وفجأة يتبخر . فنحن قبل أن نكتشف أنه حين تصل حرارة الماء إلى مئة درجة يتبخر لم نكن نتنبَّأ فعلًا بانقلاب الماء بخارًا ولم نعرف سببه .
أم أن معناها أنها تقع صدفة ودون سبب ، حسب ما يظهر من بعض إيحاءات النص أيضًا . إذا كان كذلك فإنه باطل ينشز عنه العقل والعلم ؛ إذ حين نرى تبخر الماء فإن العقل
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 114
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١١٤